اخر الأخبارثقافية

“أيام العسل والجنون” من رواية الى فيلم يمثل العراق في ملتقى القاهرة السينمائي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..

يشارك فيلم “أيام العسل والجنون” في الدورة 12 لـملتقى القاهرة السينمائي، ويُعد الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرج أحمد ياسين الدراجي بعد نجاح فيلمه الأول الحائز على جوائز دولية والذي يحمل (جنائن معلقة) وهو مأخوذ عن رواية “أيام العسل والجنون” للكاتب خضير ميري.

ويضم فريق عمل (أيام العسل والجنون) مجموعة من السينمائيين العراقيين والدوليين، من بينهم المنتج ميثم جبارة، والمنتج المنفذ حيدر ابراهيم ومن أهم أعماله فيلم (كيكة الرئيس) ومدير التصوير: دريد منجم الذي حصل على جائزة أفضل تصوير في مهرجان البحر الأحمر عن فيلم (جنائن معلقة). مديرة المكياج بينيكيا برونيو، الحاصلة على جائزة إيمي عن عملها في مسلسل Wednesday.

ويقود عمل المسرحية في داخل الفيلم المخرج المسرحي علي دعيم الذي تم عرض آخر أعماله (إعادة ضبط المصنع) في المسرح المصري. وبمشاركة إنتاجية من شركات دولية مثل Kaj Film النرويجية وPurattu Films.

الفيلم مستوحى من فكرة مبنية على قصة حقيقية ورواية للكاتب الراحل خضير ميري الذي كان يرقد في ردهات مستشفى الرشاد، وتدور أحداثه حول الممثل المسرحي (سالم) الذي يجد نفسه في مواجهة حكم الإعدام زمن النظام السابق، فيتظاهر بالجنون وينتهي به المطاف داخل مستشفى الرشاد للأمراض النفسية، ليعيش بين المرضى الفعليين كوسيلة وحيدة للنجاة.

تدور أحداث الفيلم في إطار من الكوميديا السوداء والواقعية الصارخة.. تبدأ الحكاية عندما يتفوّه الممثل المسرحي (سالم) بجملة مسيئة (عن غير قصد) ضد الطاغية المقبور صدام أثناء أدائه لمسرحية (هاملت) على خشبة المسرح. وهرباً من عقوبة الإعدام الحتمية أو قطع اللسان، يلجأ (سالم) إلى حيلة مستميتة؛ حيث يتظاهر بالجنون ويستمر في تمثيل دور (هاملت) حتى يُنقل إلى مستشفى للأمراض النفسية في بغداد لتقييم حالته.. يجد سالم نفسه محاطاً بضحايا النظام ويحاول موازنة عقله الحقيقي مع قناع الجنون، بمساعدة طبيبة نفسية شابة تدعى (أديان)، يتحدى الأعراف المؤسسية ويقنع إدارة المستشفى بإخراج مسرحية (هاملت) يمثلها المرضى أنفسهم، تحقق المسرحية نجاحاً لافتاً يصدر بحقه (شهادة تقدير رئاسية) تُقر رسمياً بجنون سالم لتبرئته من الإعدام.

عن الفيلم يقول الناقد عبد العليم البناء: تستند قصة الفيلم إلى رواية (أيام الجنون والعسل: الحرب على مستشفى المجانين) للكاتب العراقي الراحل خضير ميري، والتي تُصنف  كواحدة من أبرز ركائز ما يُعرف في الثقافة العراقية بـ(أدب الجنون)، وهي ليس مجرد نص تخيلي، بل هي شهادة ذاتية وسردية توثيقية عاش الكاتب تفاصيلها بنفسه. وعُرف الكاتب خضير ميري بولعه الشديد بالفلسفة وعلم النفس وقراءاته لنيتشه وفوكو، وفي ظل الاستبداد السياسي والحروب وضيق مساحات الحرية في العراق، اتخذ من ادعاء (الجنون) والتمرد وسيلةً وبوابةً للهروب من الواقع المفروض والملاحقات السياسية.

وأضاف: قاد هذا الخيار الكاتب ليمضي فترة طويلة من حياته نزيلاً داخل ردهات مستشفى الرشاد للأمراض النفسية والعقلية في بغداد (والتي اشتهرت شعبياً باسم (الشماعية). هناك، عاش ميري كـ (فيلسوف عاقل) محاط بمرضى حقيقيين وضحايا لظروف الحياة والسياسة. وتمزج الرواية الصادرة عن دور نشر عدة أبرزها دار سطور بين ثلاثة مسارات رئيسة صهرها الكاتب معاً بطريقة أدبية سوداوية وموجعة: توثق الرواية حادثة مأساوية منسية جرت ليلة 9 شباط عام 1991 أثناء حرب الخليج، عندما تعرض مستشفى الرشاد لقصف عسكري صاروخي عشوائي، مما أدى إلى مقتل ونفوق أكثر من 400 نزيل مريض تحت الأنقاض. يطرح الكاتب هنا مفارقة فلسفية: من هو المجنون الحقيقي؟ النزيل المسالم داخل المصحة، أم العالم الخارجي الذي يقود حروباً مدمرة تقصف مستشفيات المجانين؟  ويمثل (العسل) في الرواية تلك الفسحة من التأمل الفلسفي، والمقاومة الإنسانية، والوعي الحاد الذي حافظ عليه الكاتب وسط ركام الموت والجنون. لقد جعل من غرفته داخل المصحة الفوضوية مكاناً لإصلاح العالم فكرياً وقراءة الواقع المأزوم. ويصف ميري مستشفى الأمراض العقلية بأنه مكان يقبع في أطراف بغداد النائية خلف مقابر الأطفال والسيارات المتهالكة، حيث “يتحرك العدم حافي القدمين في الممرات”.

وتابع: تتميز الرواية بأسلوب تجريبي فريد من نوعه يضع القارئ في تحدٍ مستمر، تتماهى فيها الحدود بين الرواية التخيلية، السيرة الذاتية، والوثيقة التأريخية. يُكتب النص أحياناً بـ جمل هشة وغير مكتملة، واسترجاع مفاجئ وصادم للأحداث الماضية (Flashbacks)، ليعكس تشتت الذاكرة وصعوبة اجترار “رماد الجنون” بعد سنوات من المغادرة. النص مشحون بمصطلحات مستمدة من عمق البيئة البغدادية واللهجة العراقية الدارجة المستعملة في المصحات النفسية.

وأكمل: من هنا، التقط المخرج أحمد ياسين الدراجي هذه الروح الفلسفية الساخرة ليصنع منها فيلمه (أيام العسل والجنون)، محولاً تجربة خضير ميري إلى شخصية الممثل (سالم) الذي يحتمي بمسرحية هاملت كدرعٍ أخير ضد حبل المشنقة. وهو دراما ذات أبعاد إنسانية وتأريخية تستكشف العلاقة بين السلطة والفرد في سياق مضطرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى