الثقة بوعد الله

تأتي الثقة بوعد الله لتمنح المؤمن قدرةً على مواصلة الطريق، حتّى مع تأخّر النتائج واشتداد الأزمات. فالوعد الإلهيّ يرتبط بسننٍ وشروطٍ ومراحل، ولا يعني تحقّق النتيجة في الزمن الذي يحدّده الإنسان أو بالطريقة التي يتوقّعها. لذلك يبقى المؤمن ثابتاً في عمله، مطمئناً إلى وعد ربّه، ومتهيّئاً لتحمّل كلفة الطريق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.
فالإنسان المؤمن يتألّم، لكنّ الألم لا يقطع رجاءه؛ ويتعب، لكنّ التعب لا يوقفه عن أداء واجبه؛ وتتأخّر النتائج، لكنّه يحافظ على مبدئه ولا يستبدل الثبات بمكسبٍ عاجل. وهذا الرجاء هو الذي يمنح الصبر معناه، ويجعل الاستمرار في العمل ممكناً حتى في أصعب الظروف؛ ولهذا جاء الأمر الجامع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
والثقة بالله تمنح الإنسان وعياً دقيقاً بمسؤوليّته؛ فهو يعمل ضمن قدرته، ويجتهد في إصابة الحقّ، ويثبت على تكليفه، ويترك للّه تعالى تقدير النتائج. وقد يخطئ في التقدير، أو يخسر جولة، أو يواجه ما يفوق إمكاناته، لكنّ ذلك كلّه لا يسقط مسؤوليّته ولا يقطع صلته بالله. وهذا من أعمق دروس بدر: لم تكن قيمة المؤمنين في كثرة الإمكانات، وإنّما في اجتماع الإيمان مع العمل والصبر والثبات. فإذا اجتمع الإيمان والعمل والصبر والثبات، امتلك الإنسان ما يعينه على مواجهة الشدائد من دون أن يفقد بوصلته؛ لأنّه يستند إلى وعد الله، ويؤدّي ما عليه، ويثق بأنّ العاقبة والنتائج بيد الله. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وهذه المعيّة الإلهيّة هي أعظم ما يستند إليه المؤمن في طريق الحقّ.



