اخر الأخباراوراق المراقب

الجيل” زَدْ ” والخطاب الديني.. أصالة الثوابت وتجديد الوسائل

باسم حسين الزيدي..

شهدت الساحة الفكرية والمعرفية في العقود الأخيرة تحولات جذرية أثرت بشكل مباشر على طرق التفكير وأسلوب تلقي المعرفة أو المعلومة بصورة عامة لدى الطبقات الشبابية المعاصرة، ولم يعد التأثير الثقافي محصوراً في البيئة المحلية التقليدية أو الموروث الاجتماعي والديني والثقافي، بل أصبحت المنصات الرقمية العابرة للحدود تضخ أنماطاً سلوكية وفكرية تسلب الفرد من جذوره وأصالته وتجعله ضمن إطار يشعر فيه بالغربة عن محيطه.

أمام هذا الواقع تبرز الحاجة الماسة إلى قراءة للواقع تنطلق من ثوابت الخطاب الديني الأصيل للتعامل مع هذا الجيل وضمان عدم استلابه فكرياً أو أخلاقياً أو ثقافياً وجعله رهينة لدى الآخر، مع الحفاظ على روح الدين وجوهره الداعي إلى تهذيب النفوس وبناء الإنسان الصالح الذي يقود مجتمعه بنجاح.

ثبات الغاية

تستند الرؤية الأصيلة للخطاب الديني إلى كون الدين في جوهره منظومة متكاملة تسعى في الأساس إلى تحقيق هداية وتربية واستنقاذ للإنسان من الجهالة وتزكية لروحه وسلوكه ليصل إلى الكمال الأخلاقي والمعرفي المطلوب.

وقد جاء في كتاب الله العزيز قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، حيث إن التزكية الأخلاقية والتوجيه الروحي هما العلة الأساسية والمقصد الأسمى من بعثة الأنبياء والرسل، فالخطاب الديني المرتكز على النصح والإرشاد والموعظة ليس مجرد نمط تقليدي يمكن الاستغناء عنه، بل هو المادة الصلبة والركيزة الثابتة التي تمنح المجتمعات الإنسانية عامة، والشباب بصورة خاصة، الطمأنينة والاستقرار الروحي في مواجهة عقبات الضياع الفكري.

كما يؤكد الله (عز وجل) على محورية الأخلاق والرفق في جذب النفوس واستمالة القلوب حتى في أسلوب الدعوة من قبل الأنبياء والرسل في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وهو ما يوضح أن مضمون الدعوة والتربية ينبغي أن يُغلَّف دائماً بالرحمة والإحسان اللذين يفتحان مغاليق القلوب.

من هنا يتضح أن التجديد المطلوب في الخطاب الديني لا يعني إطلاقاً التخلي عن مضمون النصح والإرشاد أو المساومة على القواعد الأخلاقية والشرعية الثابتة، بل يتصل اتصالاً وثيقاً بتطوير الوسائل والأساليب ومراعاة لغة العصر. وقد أشار القرآن الكريم إلى تنوع المناهج الجاذبة بحسب المتلقين في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، حيث يُظهر المنهج الإلهي ضرورة استخدام الحكمة والموعظة التي تخاطب العاطفة والوجدان والجدال بالتي هي أحسن لمن يطلب الدليل والبرهان العقلي.

وفي هذا السياق، يبرز الحديث الشريف المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «أدِّبُوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن»، حيث يتجلى من هذا المفهوم أن بناء الإنسان يبدأ من غرس الولاء القيمي والارتباط المعنوي بالرموز والقرآن ليصبح الشاب متسلحاً بوعي ديني يحميه من التخبط والانحراف.

الحصانة الفكرية

وتتضاعف أهمية هذا الطرح في ظل المحاولات المستمرة من قبل الثقافة الغربية ووسائلها الرقمية الحديثة لاستلاب الهوية الوطنية والدينية لدى الناشئة وتحويلهم إلى مستهلكين سلبيين للقيم الوافدة، وقد استدعى هذا الخطر من المؤسسات الدينية تقديم الخطاب الديني بقالب يتسم بالحكمة واللين وعرض العلل والمقاصد الدينية بشكل يحاكي منطق العقل والبرهان.

وقد ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قوله: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فالتركيز على مكارم الأخلاق وربطها بالواقع العملي للشاب يعزز حصانته الذاتية ويجعله فخوراً بانتمائه الفكري وغير قابل للاستيعاب من قبل التيارات المادية الغريبة، حيث تتأكد هذه الحصانة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، إذ تتطلب هذه الوقاية جهداً تربوياً وفكرياً خالصاً يستبق الشبهات المعاصرة ويقدم للشباب منظومة قيمية متكاملة تجعلهم يثقون بأصالتهم ويعودون إليها دون اندفاع نحو التبعية الفكرية لأطراف أخرى.

إن إعداد شباب قادرين على القيادة يستلزم منحهم الثقة وتوفير البيئة الاحتوائية الآمنة داخل المؤسسات الثقافية والدينية، فالشاب في مرحلة الجيل الجديد يمتلك رغبة عارمة في التفكير الناقد والسؤال والبحث عن الدليل، ومن الخطأ الجسيم التعامل مع أسئلته بمنطق الرفض أو الاتهام، بل يجب استيعاب هذه التساؤلات برحابة صدر وعقلية واعية تعتمد على التراث الهائل للنبي الأعظم وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) في الحوار والدليل العقلي.

وقد قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): «بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المُرجئة»، وفي هذا الحديث إشارة صريحة إلى سباق الزمن في توعية الشباب وملء الفراغ الفكري لديهم بالمعارف الحقة قبل أن تستحوذ عليهم الأفكار المنحرفة أو التيارات الوافدة.

كما يوجه القرآن الكريم إلى الاستماع الواعي والتحليل العقلاني للقول والأفكار في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، مما يجعل الحوار الفكري والإنصات الواعي دعامة أساسية للبناء الروحي والفكري لدى الشباب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى