اراء

التعصب يفسد متعة “الكلاسيكو”

بقلم/ سمير السعد..

تُولد كرة القدم من رحم الشغف وتكبر في قلوب الجماهير حتى تصبح حكاية عشق تتناقلها الأجيال وتختصرها هتافات المدرجات وألوان القمصان وفرحة الأهداف. إنها لغة عالمية تتجاوز الحدود وتجمع المختلفين تحت راية المتعة والتنافس الشريف، حيث تتحدث الأقدام بلغة الفن ويصنع اللاعبون من المستطيل الأخضر لوحة تتداخل فيها المهارة والتكتيك والانضباط. غير أن جمال هذه اللعبة يفقد بريقه حين تتحوّل المحبة إلى كراهية والتشجيع إلى إساءة والاختلاف في الميول إلى خصومة تهدد العلاقات الإنسانية.

عقب مواجهة “الكلاسيكو” بين ريال مدريد وبرشلونة، شهدت منصات التواصل الاجتماعي تفاعلاً واسعًا مع تفاصيل المباراة وما قدّمه نجوم الفريقين من مستويات فنية لافتة تحت قيادة مدربَينِ يمتلكان خبرة كبيرة في عالم التدريب هما هانسي فليك وجوزيه مورينيو. وقد وجد المتابع المحايد متعة في قراءة التحوّلات التكتيكية والانضباط الدفاعي والهجومي وجمال الأداء، حتى إن كان يميل بقلبه إلى أحد الفريقين. فالتشجيع انتماء شخصي لا يمنع احترام المنافس ولا ينتقص من قيمة الفريق الآخر.

لكن المؤسف أن بعض الصفحات والتعليقات انزلقت إلى السبِّ والشتمِ والتنمُّر والتهديد، فيما أظهرت مقاطع متداولة مشاهد عراك بين مشجّعين داخل أحد المقاهي باستخدام الكراسي. وهنا يبرز السؤال الجوهري عن جدوى هذا السلوك ومن المستفيد من تحويل مباراة رياضية إلى ساحة للعداء والتخريب. هل يعقل أن يخسر الإنسان احترامه لنفسه ويعرّض الآخرين للخطر من أجل فريق لن يعرف غالبًا بوجوده ولن تتغيّر مسيرته بسبب شجار بين مشجّعين؟

الأكثر غرابة أن الخصومة تدور حول أندية تنشط في الدوري الإسباني، بينما يجلس المشجع العراقي بعيدًا آلاف الكيلومترات عن ملاعبها. فما الذي يدفع بعض الشباب إلى مُعاداة صديق أو قريب بسبب ريال مدريد أو برشلونة؟ وهل تستحق نتيجة مباراة أن تتحول إلى تهديد وقطيعة وعراك؟ إن اختلاف الانتماءات الرياضية حق مشروع، لكن الاعتداء على الآخرين تجاوز لا يمكن تبريره باسم الحماسة أو الغيرة على الفريق.

لقد عرف الجمهور العراقي صورًا جميلة من التشجيع تمثلت في الهوسات والأهازيج والموسيقى والعبارات التي ترفع معنويات اللاعبين وتمنح المدرجات نكهتها الخاصة. وكانت كرة القدم مساحة للفرح الجماعي، وقد تجلّى ذلك بوضوح خلال إنجاز كأس آسيا عام 2007، حين توحّد العراقيون على اختلاف مناطقهم وانتماءاتهم وهم يحتفلون باسم العراق. كما تتجدّد آمالهم مع استحقاقات المنتخب، ومنها طريق المشاركة في كأس العالم 2026، لتبقى راية الوطن أوسع من كل خلاف رياضي.

إن استعادة تلك الروح مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة والمدرسة والإعلام الرياضي وتمتد إلى إدارات الصفحات والمؤثرين والمشجّعين أنفسهم. فالكلمة مسؤولية، والصورة المتداولة قد تؤجّج العنف أو تُسهم بإطفائه، والتشجيع الواعي يرفض نشر الإهانات والمقاطع التحريضية ويحتفي بالمهارة واللعب النظيف ويحترم المنافس عند الفوز والخسارة.

يا جماهير الرياضة، أليس أجمل أن نختلف ونبقى أصدقاء؟ أما آن لنا أن ندرك أن ريال مدريد وبرشلونة فريقان نتنافس على محبّتهما ونحن نعيش في العراق، وأن سلامتنا وكرامتنا أغلى من نتيجة أي مباراة؟ لماذا نسمح للتعصّب بأن يسرق متعة اللعبة ويزرع الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد؟ فلنجعل هتافاتنا جسرًا للمحبة، وتشجيعنا عنوانا للرقي، وأخلاقنا الكأس التي نفخر بحملها دائمًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى