اراء

ثلاثة أعوام غيرت العالم

بقلم: د. بلال اللقيس..

ما يستوجب التوقف هو تعاطي الشعوب مع الطريقة الأمريكية في تبرير مخططاتها للهيمنة على العالم رغم تكرار العمل بها. فما تلا ١١ أيلول أثبت ما كانت تُبيته أمريكا للعالم بما عرف بـ“مشروع القرن” والتي كانت قد أعدته مؤسساتها المختلفة سيما اليمينية في تسعينيات القرن العشرين.

وما أعقب عملية خلة وردة لتحرير أسرى لبنانيين لا يستأهل حربا تدميرية كبرى في تموز ٢٠٠٦ لولا أن أميركا كانت تخطط لشرق اوسط جديد بالأداة الإسرائيلية سرعان ما أعلنته وصرحت به بوضوح دون مواربة. ولا يمكن فهم ٧ تشرين إلا في السياق نفسه فالذي قامت به المقاومة الفلسطينية رغم أهميته وإبداعه ومشروعيته، إلا أن الأداء الأمريكي-الإسرائيلي الذي أعقب العملية وصولا لآننا هذا كان إلى حد كبير نوعا من جمع المسارات السابقة والمحاولات ودكّها في روية واحدة حيث تولت إسرائيل قوى المقاومة وتولت أميركا استهداف رأس جبهة المقاومة أي إيران. وتبين تباعا أن حربا مصيرية كانت معدة لم يسكت كبار القوم في أميركا وإسرائيل عن مرادهم منها بل أعلنوا اهدافهم واستعدادهم القيام بأي فعل والتخلي عن أي قيد للوصول إلى غايتهم، بل ذهبوا أبعد حين الصقوا ما يجري بطابع تلمودي خلاصي وضربوا كل القيم والأعراف ولغة الزمان المعتمدة في العلاقات بين الدول وأحرقوا كل الجسور من خلفهم. فالحرب طريقتهم الفضلى!

فاستخدما أول نماذج حروبهم الجديدة القائمة على التقنية المتقدمة والذكاء الصناعي وعلى خطاب آيديولوجي يستبدل الجغرافيا بالرمز والأحمال الإيديولوجية وأطاحا بكل بنى العقلانية التي بنيت منذ الحرب العالمية الثانية وأدبياتها ومؤسساتها.

فرغم أن التوقيت العملياتي للحرب لم يكن لصالح جبهة المقاومة لكن توقيتها بالمعنى الاستراتيجي والتأريخي كان في صالح جبهة المقاومة بامتياز. واذا ما واجهت جبهة المقاومة تراجعات معينة بدوا أو توعكت في معارك معينة لكنها لم تخسر الحرب ولا زالت في قلب الميدان هذا بل ربما نستطيع ان نناقش أن خياراتها اتسعت لا سيما السياسية والاستراتيجية مقابل انحسار وتضايق خيارات عدوها. اليوم جبهة المقاومة تدرك أن المعادلة شاملة وتتداخل بين الاقليمي والدولي ولم تعد تقتصر على ساحة بل صارت نتاج مجمل الصمود وإفشال اهداف العدو، لذلك هي تدير الحرب بمحددات اربعة “عقلية غير انفعالية وبخطاب عقلائي وبروح استشهادية وإبداع عملياتي” راكمته بالعبر والدروس وأحيانا كثيرة بالدماء.

صدق من قال انها حرب كونية غير مسبوقة، وأصدق منه من قال إن صمود جبهة المقاومة وافشال اهداف العدو حتى اللحظة كان اشبه بمعجزة (مهما تحدث البعض عن اخطاء وقعت بها قوى المقاومة ولا ينكر أحد ذلك لكن تبقى الحقيقة ان هذه الحرب بأسلوبها وطريقتها كانت اكبر بكثير من اي جهد وأدوات عمل كانت قد سعت فيها قوى المقاومة) وتقدمها في ساحات معينة او في أبعاد قيمية كالبعد الإنساني الاخلاقي كان اشبه بمعجزة رغم الجراح والألم.  فقد يسجل العالم بعد حين ان هذه الحرب التي لا زلنا في خضمها ولم تستنفد أغراضها بعد ربما تكون بذاتها وبتصدي قوى المقاومة الاخلاقي والإبداعي والقيمي فيها قد استنفذت العالم بأسره وليس فقط استنقذت نفسها وحفظت وجودها قد استنقذته من منطق كان أريد ان يفرض عنوة يقدم اولوية القوة على الحق ويتبنى شريعة ما تحت الإنسانية أي الغاب. لقد أعاد تصدي قوى المقاومة تنبيه العالم وإيقاظه وزحزحته كما أعاد إحياء القيم المشتركة بين البشر ومؤسسة الضمير الحر بل أعاد تشكيل الإدراك في العالم من جديد ولو بكلفة كبيرة.

قد يقول قائل؛ لو أن دول العالم وسلطاتها الدينية والسياسية اخذت موقف الحد الادنى ورفعت صوتها او تحدت ولو بموقف ويضرب أمثلة بمواقف بسلطة إسبانيا او بعلماء سلطنة عمان او بدولة الجزائر او افغانستان او بالشارع في الغرب واميركا لكنا خففنا على البشرية نزل الدم واختصرنا الزمن وغيرنا الوقائع بأسرع مما نحن عليه وبكلفة اقل، لكن بما أسف رضيت البشرية ان تخدش الكرامة بل احيانا أن تمتهن وصارت ترى في الانصياع والخضوع فنا وقيمة (انتهت الشقشقة!!).

رغم أن 7 تشرين لم يكن من ناحية التوقيت العملياتي الأمثل لجبهة المقاومة وفق تصورها لتدرج الصراع وتحضيراته كما ذكرنا، لكنه كان لحل عملا بطوليا مبدعا وقد يكون تدحرج أكثر مما أراده منفذوه. كثيرا ما يجري هذا الأمر في دنيانا، نريد شيئا ويد التأريخ تريد إضافات عليه او تريد عكسه احيانا.

لكن لو عدنا قليلا إلى ما قبل ٧ تشرين وتأملنا مسار المنطقة؛ كنا نرقب تقاربا اسرائيليا سعوديا بعد مثيله مع الامارات والبحرين يفضي إلى تطبيع وربما الى تحالف أمني يعمل عليه، وكنا نرقب تحضيرات للسنتكوم من خلال إدماج قوى الاقليم تحت ادارة عسكرية موحدة في مواجهة المقاومة وإيران وكان زر التغيير في سوريا قد تم تحضيره بانتظار القرار بكبسه وكانت خطوط اقتصادية يعمل عليها ناهيك عن تطورات لاحتواء إيران من وسط آسيا وأذربيجان والخ. باختصار المنطقة كانت تقترب من تثبيت هندسة يكون فبها الانقسام مختلفا عما نحن عليه الان إقليميا وعالميا.

ولو سارت الامور كما كان يريدها المخطط الامريكي لكنا أمام واقع مختلف بالكامل عن اليوم ولكان الصراع ليس بين جبهة مقاومة والصهيو -أمريكية بل داخل الحضارة العربية -الإسلامية نفسها وبإسناد أمريكي صهيوني واستنزاف لا نهاية له. ومتى ما انهارت جبهة المقاومة تدخل المنطقة لحظة التقسيم او إعادة تعريف دور الدول والجماعات واللاعبين فيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى