اراء

العراق بين عجز المواجهة ومخاطر الارتهان ..

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي ..


ليس كل صمت حكمة ولا كل حياد موقفا صحيحا أو نجاة ولا كل اقتراب من الأقوياء مكسبا يُعتدّ به خصوصا أولئك المشهود بطغيناهم ونكثهم للعهود . ثمّة مواقف تُحسب على الدول قبل أن تُحسب لها وثمة خطوات تبدو في ظاهرها سياسة وحِنكة لكنها في باطنها انزلاق نحو خسارة ما تبقّى من الكرامة والسيادة وحرية القرار . ولعلّ العراق في هذه المرحلة الحسّاسة من تأريخه يقف أمام معادلة شديدة التعقيد تتشابك فيها المصالح الدولية وتتصارع فيها إرادات القوى الكبرى فيما تبدو الدولة العراقية مثقلة بأزماتها الداخلية ومكبّلة بتناقضات مواقفها وعاجزة عن امتلاك الأدوات الكافية لمواجهة العواصف التي تضرب المنطقة . إنّ العراق الذي أنهكته الحروب واستنزفته الصراعات وأثقلته ملفات الفساد والمحاصصة وتضارب المصالح لا يمتلك اليوم وفق قراءة سياسية لواقعه ما يكفي من عناصر القوة والقرار المستقل ليدخل مواجهة مفتوحةً مع قوى دولية تمتلك من النفوذ العسكري والاقتصادي والسياسي ما يجعل كلفة الاشتباك معها باهظة على بلد لم يلتقط أنفاسه بعدُ من أزماته المتراكمة . لكن المشكلة لا تكمُنُ في العجز عن المواجهة وحده، فالدول قد تكون ضعيفة في ميزان القوة ومع ذلك تحافظ على كرامتها بحكمة الموقف واستقلال القرار والابتعاد عن المغامرات التي لا تملك مقوّمات النجاح . أمّا الخطر الحقيقي فيبدأ حين يتحوّل العجز إلى تبعية والحذر إلى خضوع والحياد إلى ازدواجية وتصبح الدولة ساحة لتصفية الحسابات أو جسرا تعبر عليه إرادات الآخرين إلى حيث تشاء وهذا هو حال العراق هذه الأيام . لقد ابتعد أصحاب القرار عن الحكمة التي تقتضي أن نتجنّب تحويل أرضنا إلى ساحة صراع وألّا نسمح باستخدام أركان سيادتنا أرضا وسماءً لخدمة أجندات معادية أقل ما يُعرف عنها أن( المتغطي فيها عريان ) ولا تنسجم مع مصالح شعبنا وأن نجعل معيار المواقف هو حماية العراقيين وصيانة السيادة لا إرضاء طاغوت متمرد معتوه … أنّ الحديث عن السيادة لا يكتمل من دون الحديث عن الداخل العراقي، فالدولة التي تريد أن تفرض احترامها في الخارج عليها أولاً أن تستعيد احترامها في الداخل . لا يمكن لبلد تتنازعه شبكات المصالح وتلاحقه شبهات الفساد وتنخر مؤسساته تداعيات المحاصصة وتتنازع مراكز النفوذ فيه على السلطة والثروة والامتيازات أن يطلب من العالم التعامل معه بوصفه دولة ذات سيادة متماسكة القرار . إنّ الفساد في العراق ليس سرقة للمال العام فحسب بل هو سرقة مستقبل الوطن وإضعاف هيبة الدولة وتفريغ مؤسساتها من مضمونها وإهدار ثقة المواطن بها . أمّا النفاق السياسي حين يتقدّم على المسؤولية فيحوّل الخطاب الوطني إلى شعاراتٍ للاستهلاك بل وحتى القسم باليمين الى محطة للاستهزاء ويجعل المواقف تتبدل بتبدّل المصالح حتى يغدو المواطن حائرا بين ما يسمعه وما يراه وبين أطنان الوعود التي تُطلق والنتائج التي لا تأتي . هنا تتكشف المفارقة المؤلمة كيف لدولة تتطلّع إلى موقع مؤثر في محيطها الإقليمي والدولي أن تحقّق ذلك فيما لا تزال أزماتها الداخلية تستنزف قدراتها وتُضعف ثقة شعبها وتقيّد قدرتها على اتخاذ موقف واضح ومستقل ؟ إنّ المكانة الدولية لا تُمنح بالمجاملات ولا تُشترى بالخطب الرنّانة بل تُبنى باقتصاد منتج ومؤسسات رصينة وقضاء مستقل وإدارة نزيهة وسياسة خارجية متوازنة . وفي خضمّ هذه الصورة يحضر المثل الشعبي العراقي الذي يقول ( لا حِظتْ برجيلهَ ولا خذت سيد علي ) حيث نرى العراق معلّقا بين خيارات تُنتهب ومواقف تفتقد التحسّب للبعيد وهذا ما ينبغي للعراق أن يتنبه إليه فلا ينبغي له أن يبدّد ما تبقى من أوراق قوته في مراهنات غير مضمونة أو أن يتوهّم أنّ إرضاء جميع الأطراف ممكن مهما تعارضت مصالحها . فالسياسة ليست سباقا لإرضاء الأقوياء بل فن حماية المصالح الوطنية في عالم لا يحكمه التعاطف وحده وإنما تحكمه موازين القوة وحسابات المنفعة . إنّها دعوةٌ ألّا يخسر العراق ما تبقّى له من أوراقه وألّا يضع نفسه في موضعٍ يخسر فيه الجميع وألّا يبدّد مصالح شعبه بين رهانات متضاربة لا يملك ضمان نتائجها . فإنْ كان لا يستطيع مواجهة الطغيان الدولي بقوة مكافئة فليواجهه بالحكمة وبوحدة الموقف الوطني وبالعمل الدبلوماسي، وبناء علاقات متوازنة لا تسمح بتحويله إلى أداة تحت إرادة الطاغوت في البيت الأبيض .. وإن كان لا يستطيع فرض شروطه فليبدأ بفرض سيادة القانون على أرضه ومحاسبة الفاسدين واستعادة ثقة شعبه وبناء دولة يكون ولاؤها للعراق قبل كلّ شيء،
أخيرا وليس آخرا فإن الدولة التي لا توحّد إرادتها الوطنية ستجد الآخرين يتنازعون على توجيه بوصلتها، والدولة التي تفرّط بأوراق قوّتها قد تستيقظ ذات يوم فلا تجد ما تفاوض به ولا ما تحمي به مصالح شعبها . حفظ الله العراق وأهله من الفساد والفتن وألهم أبناءه حكمة القرار وشجاعة الإصلاح ليكون وطنا سيّد نفسه عزيزا بإرادته محفوظا بكرامة شعبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى