ثقافية

نقمة

غسان عباس محسن

اقترب منها بعد ان خرجت من الغرفة التي كانت تعمل فيها بتلك الدائرة الحكومية، فشعرت “عبير” بشيء من الاضطراب والخجل، ذلك انه كان شابا وسيما معتدل الطول ومرتب الهندام، كما ان طريقته في الكلام كانت توحي لها بانه انسان محترم، وذلك ما جعلها تنصت اليه باهتمام بالغ. في البدء عرف عن نفسه لها ثم ذكر اسم احدى قريباته التي هي زميلة لها في الوقت نفسه، حيث سمع عنها عن طريقها، فجاء ليتحدث إليها مباشرة في امر الزواج. وما ان سمعت “عبير” بذلك حتى غمرها احساس بالفرح العارم الذي دام لساعات، انتهت عندما عادت إليها والدتها بملامح تختلف عن تلك التي ذهبت بها لتحدث والدها في امر هذا الشاب، فأبلغتها رفضه لهذا الشاب. وبرغم انها لم تكن المرة الاولى التي يرفض بها احدا يتقدم لها الا ان “عبير” شعرت بشيء ما يجتاح كيانها وكأنه مزيج من الغضب والحزن، ولم تستطع ان تكتم غضبها هذه المرة كما هو الحال في المرات السابقة. ففي حين كانت تعدّ مجرد التحدث في هذا الامر امرا مخجلا فيما سبق وتتصور انه سيوحي لوالديها انها تستعجل الزواج، الا انها وجدت نفسها هذه المرة وبفعل إعجابها بهذا الشاب او لإدراكها بان انتظارها قد يستمر الى ما لا نهاية فانفجرت في وجه أمها رافعة لصوتها على غير عادتها وهي تقول:
ـ لِمَ يرفضه؟
احتارت والدتها في جوابها فتلعثمت وحاولت ان تبرر ذلك القرار، لكن “عبير” قابلتها بملامح غاضبة وواصلت نوبة الجرأة: هو رفضه بسبب..
صمتت لبرهة فيما كانت والدتها تحاول ان تهدئها ثم واصلت “عبير” كلامها: لقد رفضه ورفض من سبقوه حتى لا يخسر راتبي.
وما ان قالت ذلك حتى مضت الى غرفتها من دون ان تنتظر سماع اي رد على كلامها وكأنها لم تصدق انها قالت ذلك. فذهبت مسرعة وأفكار كالسحب السوداء صارت تدور في رأسها، وما ان انتهت من بكائها على السرير الخالي حتى صارت السحب السوداء تلعب في رأسها، فنظرت الى الكرسي الذي يقع قرب شباك غرفتها ورأت نفسها جالسة عليه وقد صارت تبكي لوحدها وليس بقربها احد بعد ان جاوزت الستين من عمرها وقد صبغت الليالي التي قضتها في صومعة الوحدة شعر رأسها باللون الأبيض.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى