كيف أصبحت روسيا في مقدمة دول العالم بتصنيع الطائرات المُسيّرة؟

شهدت صناعة الطائرات المُسيّرة في روسيا خلال السنوات الأخيرة، تطوراً متسارعاً، مع انتقالها من نطاق الاستخدام المحدود إلى قطاع يحظى بأهمية متزايدة ضمن منظومة الصناعات الدفاعية، إذ دفع تصاعد الاعتماد على المُسيّرات في ساحات القتال موسكو إلى توسيع خطوط الإنتاج، وتطوير نماذج أكثر تنوعاً من حيث المهام والمدى والقدرات، بالتوازي مع تعزيز تقنيات الاستطلاع والهجوم والملاحة والتحكم.
وعند اندلاع الحرب كانت روسيا تمتلك خبرة طويلة في تشغيل المسيرات، لكنها ركزت بصورة أساسية على مهام الاستطلاع والمراقبة وتصحيح نيران المدفعية، إلى جانب عدد محدود من الطائرات الهجومية قصيرة المدى. ومع تصاعد العمليات، بدأت موسكو في استخدام الصواريخ والطائرات المُسيرة بكثافة ضد أهداف داخل أوكرانيا، وهو ما فرض تحديًا واضحًا: كيف يمكن تنفيذ هجمات بعيدة المدى بصورة متكررة من دون استنزاف مخزونات الصواريخ الباليستية والمجنحة مرتفعة التكلفة؟
جاء جزء مهم من الإجابة من إيران. ففي آب 2022، وصلت أولى طائرات شاهد-131 وشاهد-136 إلى روسيا، قبل أن تدخل الخدمة في العمليات بأوكرانيا بعد فترة قصيرة. ولم تكتفِ موسكو باستيراد الطائرات، بل حصلت على التكنولوجيا وبدأت سريعًا في توطين إنتاجها. وبحلول نهاية العام، اتجه البلدان إلى إنشاء قدرة تصنيع روسية في منطقة ألابوغا في تتارستان، ضمن اتفاق قدرت قيمته بنحو 1.75 مليار دولار.
في المرحلة الأولى، كانت إيران توفر أجزاءً من الطائرات ليجري تجميعها في روسيا، لكن هذا النموذج تغيّر تدريجيًا مع انتقال موسكو إلى تصنيع مكونات الطائرة محليًا. وأطلقت روسيا اسم “جيران-1”(Geran-1) على نسخة شاهد-131 وجيران-2 على نسخة شاهد-136، لتتحول ألابوغا لاحقًا إلى أحد أهم مراكز إنتاج هذه الطائرات.
لكن الأهم أن جيران لم تبقَ مجرد نسخة روسية الصنع من طائرة إيرانية. فقد تحولت المنظومة تدريجيًا إلى منصة اختبار وتطوير روسية، شملت تعديلات على المحرك ونظام الملاحة والاتصالات ومقاومة التشويش والطلاء والرأس الحربي، إضافة إلى إدخال كاميرات وتجهيزات جديدة.
وكانت الحرب الإلكترونية أحد أبرز العوامل التي دفعت هذا التطوير. ففي البداية، اعتمدت جيران بدرجة كبيرة على الملاحة عبر الأقمار الصناعية، لكن تطور قدرات التشويش الأوكرانية على إشارات GNSS دفع روسيا إلى تطوير أنظمة أكثر قدرة على العمل في بيئة تشويش كثيفة. وبذلك أصبحت إجراءات الحرب الإلكترونية جزءًا مباشرًا من عملية تصميم الطائرة وتحديثها.
ومن أبرز هذه التطويرات استخدام هوائيات وأنظمة CRPA المضادة للتشويش، والتي تعتمد على عناصر هوائية عدة لمعالجة الإشارات الواردة من الأقمار الصناعية وتقليل تأثير التشويش عليها.
وخلال عام 2025، ظهرت تطورات إضافية، من بينها استخدام بعض طائرات جيران لتقنيات الاتصال الشبكي Mesh Networking، التي تسمح للطائرات الموجودة في الجو بالعمل كعقد اتصال فيما بينها. كما بدأت بعض الطائرات أحادية الاتجاه في الحصول على قدرات تصوير، ما وفر إمكانية إضافية للاستطلاع وتقييم نتائج الضربات.
وفي موازاة برنامج جيران، طورت روسيا طائرة Garpiya-A1، وهي مسيرة تشبه “شاهد” من حيث الشكل والمهمة، لكنها ليست نسخة مطابقة منها. واستخدمت الطائرة محرك L550E إلى جانب مكونات صينية، بينما أنتجت شركة IEMZ Kupol أكثر من 2500 طائرة Garpiya خلال عامي 2023 و2024.
وفي تشرين الأول 2024، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية، عقوبات على شركات صينية، قالت إنها شاركت بصورة مباشرة في تطوير وإنتاج طائرات Garpiya لصالح روسيا، إلا أن التحول الروسي لا يتعلق بالتطوير التقني وحده، بل بحجم الإنتاج أيضًا. وتشير تقديرات إلى أن روسيا أصبحت قادرة على إنتاج أكثر من 5500 طائرة مسيرة شهريًا، وهو ما يفسر القدرة على تنفيذ هجمات متكررة تستخدم فيها مئات المسيرات في موجة واحدة.
وبالتالي، لم تكن تجربة جيران مجرد عملية نقل لطائرة مسيرة إيرانية إلى خطوط الإنتاج الروسية، بل أصبحت نقطة انطلاق لبناء منظومة صناعية روسية للمسيرات، تجمع بين الإنتاج واسع النطاق والتطوير المستمر وفقًا للدروس التي تفرضها الحرب الإلكترونية والعملياتية على أرض المعركة.



