من الوأد إلى التكريم.. مكانة البنات في الإسلام وآداب رعايتهن

صباح الصافي..
كانت حياة المرأة قبل الإسلام مليئة بالظلم والمهانة؛ حيث كانت البنات يُعاملن كعبء أو مصدر خزي، وتُزهق أرواحهن بوحشية الوأد. وقد جاء الإسلام ليضيء نور الرحمة في القلوب، ويعيد للبنت كرامتها، ويحوّلها من ضحية إلى نعمة عظيمة، تُحترم وتُعطى مكانتها بين أفراد الأسرة والمجتمع. وقد شكّل هذا التحوّل نقلة حضارية وأخلاقية عميقة، أعادت للبنات مكانتهن الإنسانية، وأرست أسس رعايتهن وتكريمهن في المنظور الإسلامي.
كان المجتمع الجاهلي قبل بزوغ نور الإسلام ينظر إلى الذكور بوصفهم رمز القوة والمنعة، ووقود الحروب والغارات، بينما كان ينظر إلى الإناث نظرة ازدراء وخوف، حتى تحوّل هذا الانحراف في القيم إلى سلوك وحشي تمثّل في وأد البنات ودفنهن أحياءً. وقد نشأ هذا الفعل الإجرامي من اعتقاد فاسد يرى في البنت مصدر عار وفضيحة، ولا سيما في أجواء الحروب، حيث كانت النساء يُؤخذن سبايا، ويُتعامل معهن كغنائم تُوزّع على الأعداء أو تُستغل لأغراض اقتصادية مهينة، مجرّدة من كل معنى.
فجاء الإسلام ثورة شاملة؛ ليقلب هذه المفاهيم رأسًا على عقب، ويعيد للمرأة إنسانيتها وكرامتها، وليستنكر تلك الممارسات الجاهلية بأشد عبارات الإدانة، محرّكًا الضمير وموقظًا الفطرة من سباتها، من خلال النداء القرآني المؤلم الذي يصوّر فظاعة الجريمة ويضع القاتل أمام فعلته، في قول الله (تعالى): ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وتكشف هذه الآيات المباركة لوحة قرآنية عن إحدى أبشع العادات الجاهلية، وهي بغض البنات واعتبار ولادتهن مصيبة لا نعمة. فحين يُبشَّر أحدهم بالأنثى، لا يشرق وجهه بالرضا، ويظل وجهه مسودًّا، تغمره الكآبة ويختنق صدره بالغيظ المكظوم، في صورة نفسية تعبّر عن الانكسار والرفض لما وهبه الله (سبحانه).
ولا يقف الانحراف عند هذا الحد؛ وإنما يهرب من الناس خجلًا واحتقارًا لما عُدَّ في ميزانه الفاسد عيبًا وعارًا، وكأن البشرى صارت فضيحة، والنعمة تحوّلت إلى نقمة.
ولم ينتهِ المطاف بعد، بل يستمر في الغوص في فكر مظلم قاسٍ، متردّدًا بين خيارين أحلاهما مرّ: إما أن يُبقيها حيّة ذليلة مهانة، تعيش منكسرة الكرامة، وإما أن يقتلها ويدفنها في التراب، مطفئًا روحًا بريئة لم ترتكب ذنبًا سوى أنها وُلدت أنثى.
وفي ختام هذا المشهد المأساوي، يستنكر الله (عزّ وجلّ) حكمهم الجائر والعقيم بقوله الحاسم: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾؛ حكم مشوّه، صادر عن عقل مريض وفطرة منطمسة، لا ترى النعمة إلا نقمة، ولا الرحمة إلا ضعفًا.
وأخيرًا، يكشف القرآن عن الجذر الحقيقي لهذا الانحراف العميق، فيشير إلى أنه نابع من غياب الإيمان بالآخرة: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾؛ فحين يغيب الإيمان بالحساب والجزاء، يسهل على الإنسان أن يبرّر الظلم، وأن يقتل الرحمة في قلبه. أما الله (سبحانه)، فله الكمال المطلق، والمثل الأعلى في العدل والحكمة والرحمة: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وهكذا لا يكتفي القرآن الكريم بوصف الجريمة؛ وإنما يعالج جذورها الفكرية والعقدية؛ ليبني إنسانًا يؤمن بالآخرة، فيحترم الحياة، ويصون الكرامة، ويستقبل عطايا الله (تعالى) بالشكر لا بالسخط.
وكلما اقترب الإنسان من الله العزيز الحكيم، انعكست أنوار أسمائه وصفاته على قلبه، فتنفذ إليه نفحات العلم، وتترسّخ فيه معاني القدرة والحكمة، فيسمو وعيه وتستقيم بصيرته، ويغدو أقدر على التمييز بين الحق والباطل، فينأى بنفسه عن الخرافات، ويتحرّر من البدع، ويترفّع عن الأفعال المشينة التي تُسقطه من مقامه وكرامته.
أما إذا ابتعد عن الله (عزّ وجلّ)، فبقدر ذلك البعد يغوص في ظلمات الجهل، ويستحكم فيه الضعف، ويتلبّسه الذل، فتغدو روحه أرضًا خصبة لكل قبيح، وتتهيّأ نفسه لقبول الانحراف والتبرير له؛ إذ إن القطيعة مع الله (تبارك وتعالى) تفتح الباب لتسلّط الرذائل، وذوبان القيم، وانطفاء نور الفطرة.
والوأد في حقيقته أمر فظيع؛ لأنه بالإضافة إلى إزهاق روح بريئة، يسبقه تدمير لمنظومة المشاعر الإنسانية، حيث يُعطّل الفاعل في ذاته نوازع العطف والرحمة والشفقة، ليتمكّن من الإقدام على قتل إنسان أعزل، غالبًا ما يكون من أقرب الناس إليه وأشدّهم ارتباطًا به. والأشدّ انحرافًا من فعل القتل نفسه هو تحوّل هذه الجريمة إلى موضع اعتزاز ومباهاة في الوعي الجاهلي، بما يكشف عن خلل كبير في منظومة القيم والمعايير الأخلاقية السائدة آنذاك.
فأيّ معنى للفخر في إزهاق روح ضعيفة لا تملك أدنى قدرة على الدفاع عن نفسها؟، وأيّ منطق يمكن أن يبرّر لإنسان أن يطمر جزءًا من ذاته، وامتدادًا لوجوده، وهو ما يزال ينبض بالحياة؟.
إن هذا السلوك هو نتاج بيئة مركّبة تتداخل فيها عوامل اجتماعية ضاغطة، وبُنى نفسية مضطربة، وظروف اقتصادية قاسية، تشكّلت مجتمعة لتُنتج هذا الانحدار الخطير، وتحوّل الجريمة إلى ممارسة مقبولة ومُحتفى بها، في سياق منحرف عن مقتضيات الفطرة السليمة.



