اخر الأخبار

التغلب على النفس بتقوية العقل والعلم

2409

وهنا يشير الإمام الباقر عليه السلام في وصيته لتلميذه وصاحبه جابر إلى مبدأ جوهريّ للغاية بقوله : “وَتَوَقَّ مُجَازَفَةَ الْهَوَى بِدَلالَةِ الْعَقْلِ، وَقِفْ عِنْدَ غَلَبَةِ الْهَوَى بِاسْتِرْشَاد الْعِلْمِ، وَاسْتَبْقِ خَالِصَ الأَعْمَالِ لِيَوْمِ الْجَزَاء” علينا أن نعلم أنّ الشيء الوحيد الذي باستطاعته أن يجعلنا نصمد أمام النفس ونأمن مباغتتها هو الإفادة من قوّة العقل. ومن أجل الإفادة من العقل لا بدّ لنا أن نعلم أنّ العقل قابل للتقوية. إذن يتحتّم علينا الإحاطة بأحكام العقل واستخدامه في مواجهة الميول النفسانيّة, تلك الميول التي استجاب لها طيلة مدة العمر، أو التي يستطيع حَدْسها انطلاقاً من تجاربه السابقة إذا لم يكن قد استجاب لها لحدّ الآن. وهذه توجيهات عامّة من شأنها أن تُعيينا على عدم التفاجؤ في المواجهة مع النفس. على سبيل المثال هناك قاعدة عقليّة عامّة تقول: إذا كنت تسير على حافّة الوادي فإنّ احتمال سقوطك فيه يكون كبيراً. فإن أردتّ تجنّب السقوط فلا بدّ أن تبتعد عن حافّة الوادي قليلاً! بمعنى : إذا كنت ترغب في عدم التورّط في ارتكاب المعصية فعليك الابتعاد بعض الشيء عن مواطنها، وذلك باجتناب بعض الأمور غير المحرّمة أيضا, فمثلاً: عليك تجنّب النظرة الأولى كي لا تقع في النظرة المحرّمة. لكنّ هذا الحكم العامّ للعقل لا يكون مجدياً في كلّ حال, فقد يطرأ أحياناً أمر لا يستطيع المرء عندها أن يتّخذ قراراً حاسماً فيما إذا كان لا بدّ من الإقدام عليه أم لا. فمضافاً إلى الإفادة من قوّة العقل فإنّه يتعيّن علينا في مثل هذه الحالات تحصيل العلم بهذه الأمور كي نعلم ما إذا كان الأمر واجباً أو محرّماً، ونقف على حدود وجوبه وحرمته. فالغيبة للآخرين على سبيل المثال تكون أمراً حراماً تارةً، ومباحاً حيناً، وواجباً طوراً. إذن علينا أن نُحيط علماً بجميع تلك الحدود. ومن هذا المنطلق يقول عليه السلام في الجملة التالية: “قِفْ عِنْدَ غَلَبَةِ الْهَوَى بِاسْتِرْشَادِ الْعِلْمِ” , فإن غلبتك نفسك وفرضت عليك ميلاً إلى أمر معيّن، فعليك – من أجل أن لا تقع في الخطيئة – أن تعلم على وجه الدقّة هل كانت إجابة النفس فيما تطلب جائزة أم محرّمة؟ إذ ليست تلبية كلّ ميل من ميول النفس محرّمة. فلدينا الكثير من المباحات المنسجمة مع أهواء النفس ورغباتها. فالتمتّع بالأماكن الطبيعيّة الخلاّبة والمشي على ساحل البحر وما إلى ذلك هي من المباحات الموافقة لهوى النفس. إذن بالإضافة إلى امتلاك قوّة العقل وتقوية هذا الجانب لا بدّ من الإفادة من العلم والتفقّه بموارد الحلال والحرام ومواطن السقوط والصعود. وهذا التوجيه يتمّم التوجيهات التي سبقته. فعندما قال عليه السلام ما مضمونه, أنه عليك الإفادة ممّا لديك من علم حاضر لدفع الشرور، ومن أجل الإفادة من العلم لا بدّ من الإتيان بالعمل الخالص, كان كلامه عن العلاقة بين العلم والعمل. ولكي لا تخسر المعركة مع النفس فإنّ‌ عليك استخدام العلم. فإنّه يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: إنّ الإفادة من العلم تكون بالعمل الخالص, ولكن ما فائدة العمل الخالص؟.. فالحقيقة هي أنّنا لا نهتمّ كما ينبغي بالدين ومعارفه، ولا نعدّ الدين ضروريّاً أو نعير للعمل بأحكامه أهمّية تُذكَر، فضلاً عن اهتمامنا بالعمل الخالص الخالي من أيّ شائبة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى