وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما
قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. المبادئ الاجتماعية المستفادة من الآية أولا ..إصلاح ذات البين: ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تدعو المسلمين وتأمرهم بالإجماع والتآلف، وتنهى عن التفرُّق والاختلاف المؤدّيين إلى التنازع والفشل، فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . ومنها قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . ومنها قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ . ومنها آية الإصلاح مورد البحث، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى. وهي كلّها تدلّ على وجوب وحدة الأمة والعمل على سلامة هذه الوحدة وصيانتها من العبث والبغي، وهذه الآيات جميعاً جاءت متّفقة على الأمر بالوحدة والنهي عن التشتّت والافتراق والاختلاف، لما ينجم عن ذلك عادة من التنازع والفشل الممقوت، وذلك لا يتأتّى إلا إذا كان إمامها واحداً لا ينازعه أحد، وهو ما يطرحه بعض الفقهاء في الفقه الإمامي بعنوان “وحدة الولي الفقيه” بعد المفروغية عن أصل الولاية العامة له. إذ إنّ وجود إمامين فأكثر يؤدّي إلى التنازع، وينجرّ إلى الشقاق والتناحر لا محالة، وهذا ممّا نهى الإسلام عنه، فدلّ على وجوب أن يكون إمام المسلمين واحداً، لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب. وإنّ وجوب إصلاح ذات البين وهو خلق شريف وعمل فاضل حثّ عليه القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾. فإنّ إصلاح ذات البين وإيجاد التفاهم وقلع الكدر والبغضاء من صدور المسلمين، وتبديل كل ذلك بالمحبّة، يُعدّ من أهمّ الأغراض الإسلامية. ثانيا ..الانتصار للمظلوم (إحقاق الحقّ لا فضّ النزاع): الانتصار للمظلوم حتى ينال حقّه وهذا خلق إذا نما في الأمة علّمها العزّة ورفع عنها الذلة وزادها ارتباطاً وحباً وأخوّة وقرباً. فلا نكتفي بفصل الخصام والنزاع بل يجب إحقاق العدل في الخارج وهو ما عبّرت عنه الآية الكريمة “بالقسط” وأن من فعل ذلك صار مورداً للحبّ الإلهي “إنّ الله يُحبّ المقسطين” ولعلّ هذه النقطة هي نقطة فارقة بين القانون المدني والقانون الإسلامي، فالقانون المدني كلّ ما يعنيه هو حلّ النزاع بين الطرفين ولا شغل له بأن تصل الحقوق إلى مستحقّيها أو لا، فهو يقوم بحلّ النزاع بسلطة القانون أمّا الإسلام لا يكتفي بحلّ النزاع لأنّ ذلك عنده مقدمة لأمر أساس وهو إحقاق العدل الاجتماعي بين الناس، ولا يقبل بتضييع حقوق المظلومين وتكريس سلطة الظالمين، بدعوى أنّ القانون يحكم بذلك.ثالثا.. وجوب التصدّي للعدوان: إنّ الحفاظ على وحدة المجتمع الإسلامي وتماسكه هي من أهمّ الوظائف التي دعت إليها السورة المباركة، وفي سبيل الحفاظ على هذه الوحدة والبنية المجتمعية يجب فعل أيّ شيء ممكن ومشروع للوصول إلى ذلك والحيلولة دون تفكيك المجتمع. أنّ الفتنة والاقتتال هي أخطر المظاهر على بنية ووحدة المجتمع، فيجب على المؤمنين الإصلاح بين المتقاتلين، وإذا لم ينفع ذلك فعليهم قتال الفئة الباغية وصدّ عدوانها، لأنّ الهدف من هذا القتال إرجاع وحدة وتماسك المجتمع في قبال القتال الذي يستهدف تفكيك المجتمع وجعله دويلات فهو ردع للقتال المفسد والفاسد بقتال مصلح وصالح. ولذا يجب التصدّي للعدوان وتغييره وإقامة العدل مهما كانت العوائق فى سبيل ذلك .



