اخر الأخبار

الحالات الإستثنائية في التجسس

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾. فالآية نهت عن التجسُّس مطلقاً، والبحث عن أسرار الآخرين الخفية، ممّا لا يريدون اطلاع الناس عليها يشمل قضاياهم الذاتية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو العسكرية وغير ذلك، لأنّ الله أعطى الحياة الخاصة حرمة شرعية لم يجز للغير اقتحامها، وجعل للإنسان الحق في منع غيره من الاعتداء عليها بأيّة وسيلة من وسائل المعرفة الظاهرة أو الخفية. فالأصل هو حرمة التجسُّس ولا يجوز الخروج عن هذا الأصل إلا لعناوين ثبت من الشرع أهميتها القصوى والتي تمسّ بأمن المجتمع يقول بعض الفقهاء: (الأصل وهو عدم ولاية أحد على أحد, فمراقبة الغير والتجسُّس عليه وإذاعة عيوبه وأسراره نحو تصرّف في شؤون الغير والأصل يقتضي عدم جوازه ولعلّ المستفاد من الآية أنّ حياة الإنسان إنّما هي بِعِرضِه وشخصيته الاجتماعية، والهتك لهما كأنه سلب لحياته هذه ).ولكن حيث إنّ حفظ نظام المسلمين من أهمّ ما اهتمّ به الشرع فلا محالة أن وجبت مقدّماته بحكم العقل والفطرة. فعلى الدولة الإسلاميّة أن تحصل على الاطلاعات الكافية حول أوضاع الدول والأُمم الأجنبية وقراراتهم ضد الإسلام والمسلمين، وتجمع الأخبار حول تحرّكاتهم وتحرّكات عملائهم وجواسيسهم، ومؤامرات الكفّار وأهل النفاق والبغي والطغيان، وأن تراقب رجال الدولة والموظّفين وأحوال الناس وحوائجهم العامّة. وهذه المسؤولية تُفوّض لا محالة من الدولة إلى مؤسّسة عادلة صالحة من جميع الجهات، ويطلق عليها في اصطلاح عصرنا: “إدارة الأمن والاستخبارات”. والهدف من هذا الجهاز ليس إلاّ حفظ مصالح الإسلام والمسلمين وتحكيم نظام العدل وإيجاد الاطمئنان للنفوس لا الحفاظ على منافع الرؤساء وتحكيم سلطتهم كيف ما كانوا وأرادوا ولو بالإخافة وكمّ أفواه الأُمّة المظلومة وسلب حرياتهم المشروعة، كما قد يتوهّم من سماع هذا اللفظ في أكثر البلاد. وعلى هذا فيجب أن يفوّض هذه المسؤولية إلى أهلها، وأن يدقّق في انتخاب الأعضاء لها، واختيارهم من بين العقلاء الأذكياء الملتزمين بالموازين الشرعية المهتمّين بمصالح الأفراد والمجتمع، ويجب أن يتعرّف كلّ منهم على ما يجب الاطّلاع عليه وما يحرم، ويميّز الخطّ الدقيق الفاصل بينهما، فإنّ الأمر في كثير من الموارد دائر بين الواجب المهمّ والحرام المؤكّد …. ومن هذا المنطلق أيضاً يمكن للحكومة الإسلامية أن تتّخذ أشخاصاً يكونون عيوناً لها أو منظمة واسعة للإحاطة بمجريات الأمور، وأن يواجهوا المؤامرات ضدّ المجتمع أو التي يُراد بها إرباك الوضع الأمني في البلاد، فيتجسّسوا للمصلحة العامة حتى لو كان ذلك في إطار الحياة الخاصة للأفراد! إلّا أنّ هذا الأمر لا ينبغي أن يكون ذريعة لهتك حرمة هذا القانون الإسلامي الأصيل، وأن يسوّغ بعض الأفراد لأنفسهم أن يتجسّسوا في حياة الأفراد الخاصة بذريعة التآمر والإخلال بالأمن، فيفتحوا رسائلهم مثلاً، أو يراقبوا الهاتف ويهجموا على بيوتهم بين حين وآخر!!. والخلاصة: أنّ الحدّ بين التجسُّس بمعناه السلبي وبين كسب الأخبار الضرورية لحفظ أمن المجتمع دقيق وظريف جداً، وينبغي على مسؤولي إدارة الأمور الاجتماعية أن يراقبوا هذا الحدّ بدقّة لئلّا تهتك حرمة أسرار الناس، ولئلّا يتهدّد أمن المجتمع والحكومة الإسلامية!.” فهذا المبدأ الاجتماعي لا يشمل الحالات التي تمسّ فيها المصلحة العليا للإسلام والمسلمين والتي قد تستدعي الاطلاع على بعض الأوضاع الخفية للأشخاص والمواقع والأحداث المتعلّقة بالآخرين، ممّا يخاف ضرره، أو يُراد نفعه، فيجوز لوليّ أمر المسلمين اللجوء إلى هذا الأسلوب في نطاق الضرورة الأمنية والسياسية والاقتصادية، انطلاقاً من قاعدة التزاحم بين المهمّ والأهمّ، لتغليب المصلحة التي تقف في مستوى الأهمية القصوى على المفسدة الناشئة من التجسُّس، فإنّ حرمة المسلمين تتقدّم على حرمة الشخص أو الأشخاص في ذلك كله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى