عامان على ارتقائه.. غاب السيد لكن “هاجسه” في “إسرائيل” لم يغب

بقلم: محمد هلسة..
في الـ 27 من أيلول 2024، استهدفت “إسرائيل” السيد حسن نصر الله، بعملية اغتيال اعتُبرت الأخطر في تأريخ حزب الله منذ تأسيسه، إذ غيّبت قائداً ارتبط اسمه بكل مواجهة كبرى خاضها الحزب مع “اسرائيل” خلال ثلاثة عقود.
كرّس نصر الله صورة “القائد الرمز” حال حياته وحوّلها اغتياله إلى حالة وجدانية متجددة، تتغذى من خطاباته المؤرشفة ورمزيته التي تحضر في كل مناسبة، والتي تؤكدها هتافات “لبيك يا نصر الله” وهي تتردد مراراً وتكراراً في كل مناسبة، رغم مرور عامين على ارتقائه، ما يُؤكد أن شعبيته وسلطته لا تزالان حاضرتين بقوة، كما أن خطابه السياسي والعسكري الذي تجاوز حدود الطائفة والجغرافيا والذي جمع بين الصرامة والبساطة، جعله في نظر أنصاره أيقونة شعبية، وفي نظر “إسرائيل” خصماً لا يمكن تجاهله.
كيف لا، وقد نظرت المؤسسة الأمنية والعسكرية في “إسرائيل” إلى شخصية نصر الله بوصفه “الرجل اللغز” والخصم الأبرز والأكثر خطورة لعقود، وكانت الدوائر الاستخبارية، كما الشعبية، الإسرائيلية تؤمن بأن نصر الله “صادقٌ” في خطابه العلني مقارنةً بخصومه من قادة “إسرائيل”، الذين كانوا يتابعون خطاباته بدقة ويصفونه بالمُلمّ بتفاصيل المجتمع الإسرائيلي ونقاط ضعفه وقوته.
من وجهة نظر إسرائيلية، عيّن الحزب رسيماً خليفة لنصر الله، لكن عملياً “لا أحد يستطيع أن يحلّ محله”، وفق أورنا مزراحي، نائبة رئيس مجلس الأمن القومي سابقاً، والباحثة الحالية في معهد دراسات الأمن القومي، والتي كتبت بعد أكثر من عام ونصف على ارتقائه، أن نصر الله “يحظى بالتبجيل بين أنصاره، وهو يستحق ذلك، أولاً من خلال تضحياته الشخصية، وعلى رأسها مقتل نجله الأكبر في معركة ضد الجيش الإسرائيلي في التسعينيات، ما عزّز صورته كقائد يعيش معاناة جمهوره، بخلاف قيادات أخرى انشغلت عائلاتها بالثراء والامتيازات. وثانياً، من خلال 32 عاماً قضاها أميناً عاماً للحزب، حوّله إلى جيش مستقل وقوي يُهدد “إسرائيل”.
وفقاً لمزراحي، “إلى حدٍ ما، يمكن القول إن حزب الله هو نصر الله، صحيح أن الحزب يمرّ بفترة عصيبة من بعده، لكنه يسعى باستمرار للتعافي والتغيير، من خلال تقديم تنازلات ومرونة يؤمن أنها ستؤول في النهاية إلى خير الحزب، حتى وإن استغرق ذلك وقتاً، مع بقاء رؤيته التي رسخها أمينه العام السابق ثابتة، حيث يتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة يومية للمواجهة في اختبار متواصل لمعادلات الردع”.
صحيح أن “إسرائيل” تقاتل اليوم حزباً بلا السيد، لكنها تقاتل الإرث الذي تركه ومعادلات الصراع التي ثبّتها مع “إسرائيل”، حيث جمع في قتالها بين الحرب النفسية والإعلامية وبين تطوير القدرات العسكرية والاستخبارية، أو ما عُرف بـ”توازن الرعب”.
بعد عامين على اغتيال السيد، لم يسقط توازن الرعب، كما لم يسقط حزب الله بغياب قائده، كما كان يتمنى نتنياهو، ولم يجرِ إعادة تشكيل المنطقة وفق ما كان يطمح، حيث نُقل عنه بعد ارتقاء السيد بساعات قوله: “توصلتُ إلى استنتاج مفاده، أن الضربات القوية التي وجهها الجيش الإسرائيلي لحزب الله في الأيام الأخيرة لن تكون كافية، وإن القضاء على نصر الله شرطٌ ضروري لتحقيق الأهداف التي وضعناها: عودة سكان الشمال إلى مستوطناتهم، وتغيير موازين القوى في المنطقة لسنوات”.
ومع ذلك، لم يعد الحزب كما كان، فالمعادلات التي أرساها نصر الله لا تزال قائمة لكنها تواجه اختبارات يومية مرشّحة لرسم ملامح جديدة؛ مواجهة أكثر تعقيداً مع “إسرائيل”، ومشهد لبناني إقليمي متأرجح بين إرث “الرمز” وضرورات الواقع المتغيّر. ولأن الأمين العام السابق لحزب الله شكّل رقماً محورياً في معادلة محور المقاومة، لم يكن اغتياله مجرّد تطور عسكري، بل محطة فاصلة أرادت “إسرائيل” منها توجيه رسالة استراتيجية إلى الحزب ومحوره، تختبر فيها كيف ستبدو ملامح المرحلة المقبلة من دون السيد.
ترى “إسرائيل” اليوم، أن الحزب شرع في عملية إعادة تكيف واسعة بعد تغيّر قواعد الاشتباك، وفقدان جنوب نهر الليطاني كساحة أساسية، إضافة إلى غياب عدد كبير من قيادات الصف الأول والثاني، إلا أنه استفاد مما راكمه استراتيجياً على مدى سنوات، من حيث السلاح والموارد البشرية، حيث استطاع إعادة هيكلة وحداته العسكرية المتنوعة، وتطوير العناصر والقادة.
منذ نشأته في ثمانينيات القرن الماضي، صمد حزب الله أمام هجمات متصاعدة قادتها قوى كبرى، ولا سيما الولايات المتحدة و”إسرائيل”، مزجت بين السياسي، والاقتصادي، والقانوني والعسكري، وسعت كلها إلى عزل الحزب واستئصاله، من دون أن تنجح في ذلك، وتمكّن حزب الله من مواجهة هذه الهجمات والصمود أمامها، بل خرج منها أكثر قوة.
اليوم، وبعد مرور عامين على اغتيال أمينه العام، تدرك “إسرائيل” أن حزب الله قد غيّر وجهه بالفعل، ولكنه لا يزال متمسّكاً بشدة بأيديولوجية المقاومة والنضال ضدها، وتزداد جهوده لإعادة بناء قوته وصورته، في ظلّ مواجهته للتحديات، بما في ذلك مطلب نزع سلاحه.
بالنسبة لـ”إسرائيل” الاستنتاج الرئيس المستخلَص من تطورات السنتين الماضيتين، هو أنه على الرغم من اغتيال السيد حسن وتفوّق “الجيش” الإسرائيلي على الأرض في هذه المرحلة، فإن فرصة تغيير الواقع الأمني على الحدود الشمالية وفي العلاقات بين “إسرائيل” ولبنان بعد الحرب تتضاءل.
ختاماً، مازال الكثير يُقال عن السيد حسن في “إسرائيل”، رغم مرور عامين على غيابه، بعضه من باب التقدير وكثيرُه من باب الكراهية، لكنهم جميعاً؛ “مدنيون” وعسكريون وسياسيون، يتفقون على أن شخصيته الفذّة وقدرته الاستراتيجية وقيادته القوية حفرت جراحاً غائرة عميقة في ذاكرة الإسرائيليين، ولا شك في أن فرحتهم بغيابه لا تعني أن هاجسه الذي زرعه في نفوسهم سيغيب قريباً.



