اراء

تقرير مفتش البنتاغون.. جردة لسوء التقدير الأميركي

بقلم: ليلى نقولا..


أصدر المفتش العام بوزارة الدفاع الأميركية أول تقرير رسمي شامل حول تداعيات حرب إيران، كاشفاً عن حجم الخسائر والتكاليف التي تكبدتها الولايات المتحدة خلال الأشهر الأولى من الصراع.
وأقر التقرير بوجود نقص في مخزونات الذخائر والأسلحة المتطورة، وبظهور اختناقات في القاعدة الصناعية العسكرية الأميركية تعيق سرعة تعويض ما استُهلك في الحرب. كما وثّق للمرة الأولى بصورة رسمية الأضرار التي لحقت بالقواعد والطائرات والمنشآت الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط، وقدّر كلفة العمليات بنحو 37.5 مليار دولار حتى أواخر تموز 2026.
وفي تحليل المعلومات التي يكشفها التقرير، يبدو أن هناك فجوة بين التقديرات الضمنية التي انطلقت منها الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران وبين النتائج التي ظهرت خلال الأشهر الأولى من العمليات، وتبرز كما يلي:
أولاً: تقدير غير دقيق لقدرة إيران على الصمود
بُنيت الحملة على فرضية أن تدمير القدرات العسكرية الأساسية لإيران سيؤدي إلى تراجع سريع في قدرتها على مواصلة الصراع. ويظهر ذلك من طبيعة الأهداف المعلنة التي ركّزت على الصواريخ، والصناعات العسكرية، والقدرات البحرية، والبنية الأمنية.
لكن المعطيات الواردة في التقرير تشير إلى أن الحملة احتاجت إلى استهداف نحو 13,500 هدف، وتنفيذ نحو 36,000 طلعة قتالية، ونشر أكثر من 50 ألف جندي.. مع ذلك، استمرت لأشهر عدّة من دون الوصول إلى نهاية سياسية واضحة.
ما ورد في التقرير يشير إلى أن التدمير المادي للقدرات لم يؤدِ بالسرعة المتوقعة إلى تراجع قدرة إيران على الاستمرار. وبالتالي، يمكن استنتاج سوء تقدير أميركي لمرونة الدولة الإيرانية وقدرتها على امتصاص الضربات وإطالة أمد الصراع.
ثانياً: المبالغة في فعالية القوة العسكرية
يظهر التقرير أن أهداف العملية العسكرية الأميركية – الإسرائيلية على إيران بدأت بتصور ضمني مفاده أن الضغط العسكري المكثف سيؤدي إلى رضوخ إيران أو “تعديل سلوكها”.
لكن التقرير يعترف أن المسار السياسي لم يتطور بالتوازي مع المسار العسكري، حيث وصلت المفاوضات إلى حالة جمود بينما استمرت الأعمال العدائية. استراتيجياً، يشير ذلك إلى تقدير مبالغ فيه للعلاقة بين تدمير القدرات الإيرانية وبين القدرة على فرض تسوية سياسية.
ثالثاً: سوء تقدير للكلفة
منذ بداية الحملة جرى تقديمها على أنها عملية محدودة الأهداف وليست حرباً طويلة، وقال وزير الحرب الأميركي أنها ليست كحربي العراق وأفغانستان وستكون محدودة.
لكن التقرير قدّر كلفة الحرب المباشرة بـ33.4 مليار دولار حتى حزيران 2026، وأكثر من 22 مليار دولار ثمن الذخائر، وطلب تمويل إضافي كبير لتعويض المخزونات والاستمرار في العمليات. وهذا يشير إلى أن الموارد اللازمة لتحقيق الأهداف كانت أكبر مما عكسته التقديرات الأولية أو الخطاب السياسي المصاحب للحرب.
رابعاً: تقدير غير دقيق لطبيعة مسرح العمليات
واحدة من أهم نتائج التقرير هي أن الجزء الأكبر من الجهد العملياتي لم يتركز فقط على تدمير الأهداف داخل إيران، بل على إدارة البيئة الإقليمية المحيطة بالحرب، ومنها حماية الملاحة وتأمينها في مضيق هرمز، وحماية القواعد وإعادة توزيع القوات وغيرها الخ..
يدل ذلك على أن كلفة إدارة البيئة الاستراتيجية للحرب كانت أكبر من كلفة الضربات نفسها في بعض المجالات، وهو ما يوحي بأن التقديرات الأولية لم تأخذ بالاعتبار بصورة كافية تعقيدات مسرح العمليات والجغرافيا وقدرة إيران على ردّ متعدد الطبقات.
خامساً: الاعتماد على الحلفاء كان أكبر مما يفترض
يبيّن التقرير أن العمليات اعتمدت على قواعد خليجية وأوروبية، وشبكات دفاع جوي إقليمية، وتنسيق واسع مع “إسرائيل”، ممرات جوية وبحرية متعددة الجنسيات.
وهنا المفارقة أن هذه الحرب كشفت أن العمل العسكري المنفرد حتى للقوة العسكرية الأولى عالمياً لم يعد واقعياً. علماً أن هذا الاستنتاج سيقود الى إشكاليات مستقبلية مرتبطة بمستقبل المظلة الأمنية الأميركية في الخليج وحدود فعاليتها، ومدى اعتمادها المتزايد على مساهمة الحلفاء والشركاء الإقليميين.
سادساً: فجوة بين الخطاب السياسي والأهداف المدرجة
من الملاحظ أن التصريحات السياسية الأميركية والإسرائيلية خلال الحرب- وأبرزها تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب- ذهبت إلى سقوف مرتفعة، وتضمنت حديثاً عن استسلام غير مشروط وتغيير النظام في إيران، في حين أن التقرير الرسمي المرفوع إلى الكونغرس لم يدرج إسقاط النظام ضمن أهداف العملية.
حدد التقرير الأهداف بأنها تدمير قدرة إيران وإسقاط قوتها العسكرية في المنطقة، والقضاء على قدراتها الصاروخية والبحرية وبنيتها الأمنية، ومنعها من امتلاك سلاح نووي، إضافة إلى إضعاف قدرتها على تنفيذ واستدامة العمليات القتالية.
يوحي هذا التباين بوجود فجوة بين سقف الخطاب السياسي المعلن وبين الأهداف المؤسسية التي جرى اعتمادها وقياس نتائج الحرب على أساسها، ما يعطي مؤشراً مهماً على إعادة كيفية تعريف الأهداف أثناء الحرب أو بعدها، بسبب عدم القدرة الواقعية على تحقيقها.
هذا يعني أن التحدي الرئيسي للإدارة الأميركية لم يكن في القدرة على استخدام القوة أو امتلاك قدرات عسكرية متفوقة على الجانب الإيراني، وإنما في تقدير ما يمكن أن تستطيع القوة العسكرية تحقيقه سياسياً واستراتيجياً.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى