اراء

لماذا لم تكسر العقوبات المجتمع الإيراني؟

بقلم: بثينة عليق..


لا شكّ أنّ أحد العوامل الأساسية في نجاح العقوبات الاقتصادية أو فشلها يرتبط بكيفية تعامل المجتمع المستهدف معها. صحيح أنّ الحكومات تعمل على تطوير آليات للالتفاف على العقوبات، وإيجاد بدائل تسمح بالتخفيف من آثارها، وتضع السياسات والخطط للحدّ من قدرة فارضيها على تحقيق أهدافهم، إلا أنّ العامل الحاسم يبقى في مدى قدرة المجتمع نفسه على التحمّل والتكيّف مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عنها.
ويبدو أنّ المجتمع الإيراني نجح، إلى حدّ بعيد، في هذا المجال. فالمعادلة التي قامت عليها سياسة “الضغط الأقصى” افترضت أنّ تدهور مستوى المعيشة سيؤدّي إلى تصاعد غضب المواطنين، بما يدفعهم إلى الضغط على الحكومة لتغيير سياساتها، أو يرفع مستوى الاحتجاج الداخلي إلى حدّ يهدّد استقرار النظام. إلا أنّ هذه المعادلة لم تعمل في إيران بالصورة التي توقّعها واضعوها، وهو ما يستدعي التوقّف عند طبيعة المجتمع الإيراني والعوامل التي أسهمت في قدرته على التحمّل والتكيّف.
لقد حاول عدد من الباحثين والدارسين الإجابة عن هذا السؤال من خلال دراسات وأبحاث توصّلت إلى خلاصات تسمح بالنظر إلى الصمود الإيراني باعتباره ظاهرة اجتماعية وتاريخية مركّبة، تتداخل فيها عوامل دينية وقومية وأسرية، إلى جانب شبكات التضامن والتكافل الاجتماعي والقدرة المتراكمة على التكيّف مع الأزمات.
في كتاب “كيف تعمل العقوبات: إيران وتأثير الحرب الاقتصادية”، لفالي نصر ونرجس باجغلي وعدد من الباحثين، تظهر التجربة الإيرانية بوصفها تحدّياً للفرضية التقليدية التي تقوم على أنّ العقوبات الواسعة ستخلق ضغطاً اجتماعياً متزايداً، يجعل كلفة سياسات الحكومة مرتفعة إلى درجة تضطر معها إلى تغيير سلوكها. وتبيّن التجربة التي يعرضها الكتاب أنّ المعادلة التي تفترض أنّ “الضغط الأقصى” سيقود تلقائياً إلى انقلاب المواطنين على حكومتهم ليست بهذه البساطة.
لم يصل الباحثون إلى هذه الخلاصة من خلال دراسة المؤشرات الاقتصادية والتنظير السياسي إنما اعتماداً على مقاربة اجتماعية وأنثروبولوجية، استندت إلى لقاءات ومقابلات وشهادات لمواطنين إيرانيين من شرائح وطبقات اجتماعية مختلفة.
يصف الكتاب كيف أعاد الإيرانيون تنظيم حياتهم في ظل العقوبات بعدما تحوّلت، بالنسبة إلى كثيرين، من أزمة مؤقتة إلى واقع طويل الأمد. وتكشف الشهادات عن استراتيجيات مختلفة للتكيّف، وعن تغييرات في السلوك وأنماط الاستهلاك، من بينها إعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن بدائل محلية، وتعديل أنماط الحياة والتوقّعات بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي الجديد.
ويتحدّث بعض الذين قابلهم الباحثون عن الابتعاد عن السعي المستمر وراء المال والاستهلاك، والبحث عن مساحات بديلة في الطبيعة والموسيقى والفن والحياة الاجتماعية.
وفي الفصل الأخير من الكتاب، الذي يحمل عنوان “الحصار الدائم”، يوضح المؤلفون كيف أصبح الإيرانيون، بعد عقود من العقوبات، أقلّ تعاملاً مع كل حزمة جديدة باعتبارها “صدمة” استثنائية. فالعقوبات تحوّلت تدريجياً إلى حالة شبه دائمة، ولم يعد المجتمع يتعامل معها باعتبارها حدثاً طارئاً سيختفي بعد أشهر، بل بوصفها جزءاً من البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي تُبنى في ظلها القرارات الشخصية والمؤسساتية.
ومن الأفكار المهمة التي يطرحها الكتاب أيضاً أنّ العقوبات لم تؤدِّ بالضرورة إلى قطع العلاقة بين المواطن والدولة، بل أسهمت في إعادة تشكيلها. ففي ظلّ الضغوط الاقتصادية، أصبح جزء من المجتمع أكثر اعتماداً على شبكات الدولة ومؤسساتها وآليات الدعم والحماية التي توفّرها.
وهنا تكمن إحدى أبرز مفارقات العقوبات: فبدل أن تؤدّي الضغوط الاقتصادية إلى إضعاف الدولة في علاقتها بالمجتمع، يمكن أن تزيد اعتماد المواطنين عليها وعلى المؤسسات والشبكات المرتبطة بها. ومن هذا المنطلق، يذهب مؤلفو الكتاب إلى أنّ العقوبات أسهمت، في جوانب معيّنة، في “تقوية الدولة الإيرانية” بدلاً من إضعافها بالطريقة التي افترضتها النظرية التقليدية للعقوبات.
هذه الخلاصة تتقاطع مع عدد من الدراسات والأبحاث التي تنظر إلى الصمود الإيراني بوصفه ظاهرة اجتماعية وتاريخية مركّبة.
إلا أنّ هناك عاملاً إضافياً لا يمكن التقليل من أهميته وهو الشعور القومي والوطني الذي يعتبر أيضاً مصدراً آخر للتعبئة والصمود.
هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة عند النظر إلى حضور الأقليات الدينية، ومن بينها الزرادشتيون والمسيحيون، في عدد من المحطات الوطنية والمفصلية، بما يشير إلى أنّ إيران، بوصفها وطناً وهويةً وانتماءً قومياً، شكّلت هي الأخرى مصدراً للتعبئة والاستعداد للدفاع والتضحية، إلى جانب العامل الديني.

بهذا المعنى، يمكن فهم جانب من ثقافة الصمود في إيران من خلال تداخل عاملين رئيسيين: الدين بما يحمله من مفاهيم الصبر والتضحية والشهادة، والقومية بما تستدعيه من ارتباط بالأرض والتاريخ والهوية الوطنية. ولا يعمل العاملان بالضرورة بصورة منفصلة، بل يتداخلان ويتعزّزان في محطات الحرب والضغط الخارجي.
تضاف إلى ذلك بنية الأسرة وشبكات المجتمع وآليات الاقتصاد غير الرسمي وأشكال التكيّف المؤسسي. فالإيرانيون لم يتعاملوا مع الأزمة باعتبارهم أفراداً اقتصاديين معزولين، بل استمرت شبكات الأسرة والعلاقات الاجتماعية والمساحات الثقافية والحياة اليومية في أداء أدوارها تحت وطأة العقوبات. وهذه مسألة أساسية لفهم قدرة المجتمع على امتصاص الصدمات والتكيّف معها، بدل افتراض أن تراجع الدخل ومستويات الاستهلاك سيقود تلقائياً إلى انهيار اجتماعي أو إلى النتيجة السياسية التي يريدها فارضو العقوبات.
من هنا، يمكن القول إنّ استمرار الرهان الأميركي على تشديد العقوبات كشف عن عدم فهم عميق لخصوصية المجتمع الإيراني وعن فجوة بين التصوّر الذي قامت عليه سياسة العقوبات وبين تعقيدات البنية الاجتماعية والثقافية الإيرانية.
فالمعادلة التي ربطت بصورة شبه مباشرة بين زيادة الضغوط الاقتصادية، وتصاعد السخط الاجتماعي، ثم تحوّل هذا السخط إلى ضغط سياسي قادر على فرض تغيير في سياسات الدولة، لم تأخذ بالقدر الكافي في الاعتبار مقوّمات التكيّف والصمود المتراكمة داخل المجتمع الإيراني.
وهذا يعني أنّ العقوبات برغم ما تركته من آثار اقتصادية واجتماعية مؤلمة، إلا أنها لم تؤدِّ إلى النتائج السياسية التي أرادها فارضو العقوبات وأنّ الحالة الإيرانية كانت أكثر تعقيداً مما افترضه أصحاب سياسة “الضغوط القصوى”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى