اخر الأخباراوراق المراقب

علم السلوك في القرآن الكريم

د. مواهب الخطيب..

دراسة السلوك الإنساني في القرآن الكريم تعني دراسة نشوء الإنسان وتطور سلوكه اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا، وعلاقته بالآخرين. فالقرآن يقدم دراسة شمولية مقارنة للسلوك الإنساني، فهو يقارن سلوك الأفراد مع بعضهم البعض، وسلوك الشعوب والأقوام والحضارات، ويسعى إلى مجموعة من الأهداف التربوية من خلال بيان وصف دقيق لمجموعات البشر، وتحديد أصول التغيير التي تحدث للإنسان وأسبابه. فالقرآن يُقر بأن الأخلاق متغيرة وليست ثابتة، ومتطورة.

أولًا: دور الإنسان في إيجاد مجتمع متحضر

في قبال ما تقدم من ذكر الفلسفات الأخرى، فإن القرآن الكريم يدعونا إلى التحلي بالأخلاق والسلوك الحسن، وينتقد مسيرة الأقوام الذين ضلوا السبيل، ويرشد إلى السلوكيات الحسنة والمتحضرة، كالإيمان، والأخلاق، والعلم، والعدل، والخصائص البيئية كالزراعة، والمطر، والصناعة، والأرض، كمؤشر حضاري، ويعدّ مجموعها صانعًا للحضارة.

ويبيّن القرآن الكريم قدوات مثل الأنبياء الربانيين، وأنهم اتصفوا بصفات كالعلم، والحكمة، وغيرها. وهذا ينِمُّ عن دورهم في تغيير السلوك البشري، ويحاول القرآن نقل هذه المصاديق عبر الزمن من خلال قصص ذات عبرة، ويدعو الإنسان المعاصر إلى التدبر فيها، ويسعى من وراء هذا التدبر إلى بناء السلوك الحضاري بالاقتباس من تلك الحضارات، ويوعز صنع الحضارة إلى الإنسان المتحضر سلوكيًا.

ولم تسلط التفاسير كامل الضوء على حركة الإنسان، وخصوصًا القدوات الناجحة المذكورة في القرآن، في دورهم ببناء التمدن والتحضر، وخصوصًا الأنبياء والأوصياء.

فالحضارية: «برامج استراتيجية لتنظيم الأنظمة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية لبناء حضارة جديدة».

إن القرآن يذكر الحضارات وخصائص روادها الشخصية، كالائتمان والمداراة مع الناس وغيرها، ويتمتع بإمكانية منشودة في تقديم أنموذج متطور في مسار بناء الحضارات.

إن دراسة هذه المؤشرات تقدم أنموذجًا مرجوًا من الاستراتيجيات، والإنجازات الواقعية، والقدوات الذين يبنون الحضارات، ما يمكننا، حسب إحيائه وتبيينه، أن نجعله أساسًا ومعيارًا في دراسة السلوك المتحضر.

على الرغم من أن حركة الأنبياء كادت أن تنحصر في الدعوة إلى الله غالبًا، إلا أن بداية دعوتهم ترافق دعوة للسلوك المتحضر ونبذ الرؤى المادية فيما يتعلق بالمجتمع الإنساني، وبالتالي لم يغيّروا الثقافات والسلوك فحسب، بل عرضوا رؤية حديثة إلى الإنسان، وفهّموه المعاني الصحيحة للحرية، والعدل، والأمان.

إن الرؤية القرآنية لتفسير التأريخ من خلال بيان قصص الأنبياء ومكافحاتهم وجهادهم مع الأقوام والحكام الذين عاصروهم من أجل بناء حضارة إنسانية قائمة على بناء السلوك الإنساني كقاعدة لقيام أي نمو متمدن، فقد تحدث القرآن الكريم عن الأنبياء الكبار كيوسف، وموسى، وداود، وسليمان (عليهم السلام)، ونبينا محمد (صلى الله عليه وآله) في مواضع متعددة.

فإن خمسة أنبياء: يوسف، وموسى، وداود، وسليمان (عليهم السلام)، ونبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، قاموا بتأسيس حكومة، أبرز مهامها بناء الحضارة الإنسانية. وقد طرح القرآن الكريم سلوكهم كأنماط منهجية في السلوك المتحضر: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (الممتحنة: 4)؛ ذلك أن القرآن يشير إلى حضارية إبراهيم (عليه السلام)، وبنائه الكعبة، وبنائه حضارة إلهية كبيرة، وإقامته معقلًا عظيمًا لهداية البشر. كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ (البقرة: 127). بعد إعادة بناء الكعبة، رفع إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) أيديهما للدعاء، وطلبا من الله سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129).

ثانيًا: خريطة القرآن في دراسة الإنسان ومنهجيته

1. تصنيف الآيات

يمكن تصنيف الآيات التي يشرح فيها القرآن السير التطوري للسلوك الإنساني إلى المجموعات الآتية:

1. الآيات التي تتحدث عن التطور الثقافي: الأنثروبولوجيا الثقافية.

2. الآيات الطبيعية الفيزيقية، وهي التي تحكي قصة خلق الإنسان الجسدي وبُعده المادي.

3. الآيات التي تحكي بُعده الماورائي والروحي.

4. الآيات التي تحكي عن تطوره الاجتماعي.

5. الآيات التي تحكي عن التطور الحضاري والعمراني والثقافي نتيجة للرقي السلوكي.

2. منهجية القرآن في بيان أنثروبولوجيا الإنسان

اتخذ القرآن الكريم خصائص منهجية لدراسة السلوك الإنساني، أهمها:

أ. المقارنة بين الأفراد مع بعضهم وسلوكياتهم.

ب. التصنيف والتوصيف والتبويب، بحيث إنه يقدم وصفًا دقيقًا للأقوام، واستشراف مستقبلهم من خلال سلوك معيشتهم.

ج. تحديد أصول التغير في السلوك وأسبابه ونتائجه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى