اخر الأخبارثقافية

“سُراق اللغة” الكتابة ابتكار مستمر للمعنى داخل شبكة واسعة من النصوص

لا ينفكّ الباحث والكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو عن مساءلة اللغة متتبّعاً مساراتها وتحوّلاتها، فالنصّ لديه لا ينبثق من فراغ، إنما يتكوّن من آثار نصوص أخرى، وهي نصوص حاضرة وغائبة (التناصِّية). من هنا يأتي كتابه “سرّاق اللغة” “منشورات المتوسط 2026” بترجمة “إسماعيل أزيات”؛ ليحوّل مفهوم سرقة اللغة إلى مفهوم إبداعي يعكس تفاعل الكاتب مع ما يقرأ من غير أن ينتقص من أصالته الأدبية، لأنّ الكتابة لا تُعدّ امتلاكاً؛ إنما ابتكار مستمرّ للمعنى داخل شبكة واسعة من النصوص.

يعيد الكاتب تعريف السرقة الأدبية بوصفها ضماناً لاستمرارية الأدب الإنساني، وليس انتقاصاً من عبقرية المبدع. إذ تبدو اللغة هنا بوصفها ملكاً خالصاً للكاتب، وفضاءً مشتركاً مفتوحاً على الاقتباس وابتكار التشكيل. كما يكشف عن أشكال مختلفة من السرقة، منها الواعية وغير الواعية، التي من الممكن أن يرتكبها الكتّاب تجاه النصوص القديمة أو المعاصرة، وهو بعيد كلّ البعد عن إدانة هذه الممارسة، بل يعتبرها الضامن الطبيعي لاستمرارية الأدب الإنساني عبر التأريخ. ذلك أنّ كلّ نصّ يحيلُ إلى نصّ آخرـ لتُشكّل مجتمعةً فسيفساء مفتوحة على الأدب العالمي وتتغذّى من حواراتٍ متواصلة وإشاراتٍ صريحة أو واضحة من غير أن يمسّ ذلك عبقرية كلّ كاتب.

وما بين التراث والحداثة، يستعيد كيليطو في كتابه مفهوم السرقة لدى القدماء من الأدباء؛ حيث كان الشاعر الجيد هو من يُذكّرُ الناس في قصيدته بقصيدةٍ من الماضي. وقد أشار في تقديم الكتاب إلى أنّ فلوبير قال يوماً: “بدلاً من خلق عمل جديد، ربما كان من الحكمة الكشف عن أعمالٍ جديدةٍ مخبّأة وراء القديمة”. وهنا يتوقّف عند دهشة القرّاء مذكّراً بحالة “الحريري في مقاماته” التي تحيل بدورها إلى مقامات بديع الزمان الهمذاني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى