اخر الأخباراوراق المراقب

كيف يصنع التفكير السلبي أحكامنا قبل أن نعرف الآخرين؟

يحدث أحيانًا أن يدخل شخص إلى مكان جديد، فيلتقي بوجه لم يسبق له أن عرفه، ثم يغادر المكان وهو يحمل عنه انطباعًا كاملًا لمجرد نبرة صوت، أو نظرة عابرة، أو كلمة قيلت في لحظة لم يفهم ظروفها. وقد تتسع تلك اللحظة الصغيرة داخل العقل حتى تتحول إلى حكم مستقر، فيصبح الآخر في مخيلتنا شخصًا متكبرًا أو غير جدير بالثقة أو راغبًا في إيذائنا، مع أن الوقائع التي تسمح بمثل هذا الحكم لم تتشكل بعد. هنا تبدأ مشكلة أعمق من سوء الفهم؛ يبدأ العقل في بناء علاقة مع صورة صنعها بنفسه عن الآخر، بدل أن يتعامل مع الإنسان الذي يقف أمامه.

التفكير واحد من أهم الأدوات التي امتلكها الإنسان في رحلته الطويلة نحو المعرفة والتطور، فمن خلاله استطاع أن يسأل ويقارن ويحلل ويكتشف ويعيد النظر في أفكاره. غير أن الأداة نفسها يمكن أن تتحول إلى عائق حين تستسلم للتوقعات السلبية وتبدأ بقراءة الواقع من خلال مخاوفها السابقة. وعندما يصبح العقل معتادًا على توقع الخطر في كل موقف، فإنه يتوقف تدريجيًا عن استقبال الوقائع كما هي، ويبحث في كل حادثة عن دليل ينسجم مع الصورة التي كوّنها مسبقًا.

وهنا يظهر الحكم المسبق بوصفه نتيجة طبيعية لهذا النوع من التفكير؛ فالإنسان قد لا ينتظر معرفة الشخص الآخر حتى يصدر رأيه فيه، وقد لا يمنح الفكرة فرصة كاملة حتى يقرر أنها خاطئة، وقد ينظر إلى تجربة جديدة من خلال تجارب قديمة لا علاقة لها بها. ومع تكرار هذه الطريقة في التفكير، تتحول الحيطة إلى شك، ويتحول الحذر إلى عزلة، وتصبح التجربة الإنسانية محكومة بمخزون من الانطباعات التي تراكمت في الذاكرة أكثر مما تحكمها الوقائع الجديدة.

وتزداد المشكلة حين يمنح الإنسان أفكاره الأولى درجة من اليقين لا تستحقها. فالفكرة التي تولد من احتمال صغير قد تتحول مع الوقت إلى قناعة، والقناعة قد تتحول إلى موقف، والموقف قد ينتج سلوكًا يؤثر في الطرف الآخر، فيتلقى ذلك الطرف معاملة باردة أو متحفزة، فيرد بالمثل، ثم يأتي رد فعله ليستخدمه صاحب الحكم المسبق دليلًا على صحة ما توقعه منذ البداية. وهكذا تتكون دائرة مغلقة يصنع فيها التفكير النتيجة التي كان يخشاها، ثم يعود ليستدل بها على صحة تفكيره.

ومن أخطر ما يترتب على هذه الدائرة أنها تجعل الإنسان يعيش مع الآخرين من خلال التفسير أكثر مما يعيش معهم من خلال المعرفة. فقد يرى صمت شخص ما تعاليًا، أو اختلافه عن رأيه عداءً، أو تحفظه خوفًا، أو نجاحه تهديدًا لمكانته. وكلما اتسعت مساحة التفسير الشخصي ضاقت مساحة السؤال والحوار، فيصبح العقل منشغلًا بتأكيد انطباعه الأول بدل البحث عن المعنى الحقيقي وراء السلوك.

وتحتاج العلاقات الإنسانية السليمة إلى مساحة من التريث تسمح للإنسان بأن يفرق بين ما يعرفه فعلًا وما يتخيله. فليس كل شعور دليلًا، وليست كل انطباعاتنا الأولى حقائق، كما أن التجربة السابقة لا تصلح دائمًا مفتاحًا لفهم تجربة جديدة. الإنسان المتوازن يستطيع أن يحتفظ بحذرهِ من دون أن يحول الحذر إلى خصومة، وأن يختلف مع الآخر من دون أن يختصر شخصيته كلها في موقف واحد، وأن يراجع حكمه عندما تظهر أمامه معلومات جديدة.

وتقدم الثقافة القرآنية أساسًا واضحًا لهذا التوازن حين يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، سورة الحجرات: 12. فالآية تضع الإنسان أمام مسؤولية معرفية وأخلاقية في التعامل مع الظن، لأن العقل الذي يعتاد بناء مواقفه على الاحتمالات غير الممحصة قد يظلم الآخرين قبل أن يعرفهم، وقد يفسد علاقة كان يمكن أن تنمو بصورة مختلفة لو منحها فرصة كافية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى