الشدائد ألطاف الله


كثيراً ما يَرِدُ في القرآن الكريم وفي الأحاديث: أنَّ الله قد ابتلى فلاناً من الأنبياء، أو من عباده الصالحين بالشّدائد، أو نقرأ أنَّ الله يرسل البلايا والمصائب على من هم موضع لطفه ورحمته الخاصة. أو أنَّ الشَّدائد والمصائب هدايا إلهية، ومن ذلك مثلاً الحديث الذي يقول: “إنَّ الله يتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرَّجل أهله بالهديَّة من الغيبة”، أو الحديث الآخر القائل: “إن الله إذا أحبَّ عبداً غتَّهُ بالبلاء غتَّاً”، أو الرِّواية التي مضمونها أنَّ الرَّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يَطعم من طعام من لم يرَ شدةٌ ولا مصيبةٌ، إذ كان يرى في ذلك علامةً على بعد ذلك الشخص من الله تعالى. وهنا، يتبادر إلى الذّهن هذا التّساؤل: كيف يكون العبد موضع عطف الله ورحمته ورضاه، ثم يقتضي ذلك أنْ يواجه هذا العبد الشّدائد والمصائب؟ إن ما يتبع المحبة والعطف توافر الراحة والرفاه، لا الشّدائد والمصائب! وهناك تعبير آخر يَرِدَ على لسان القرآن والسنّة ما يثير سؤالاً آخر، وذلك هو تعبير (الإمتحان) وأنّ الله يبتلي عباده بالشدائد ليمتحنهم، فما معنى هذا؟ أوليس الله عليماً ببواطن الناس حتى يمتحنهم ويزداد علماً بهم؟ أوليس القرآن القائل: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ فما معنى الامتحان؟ يسهل الردُّ على السؤالين المذكورين إذا عرفنا فلسفة البلايا والشّدائد والمصائب وآثارها في كيان الإنسان، وإذا عرفنا أنَّ الكثير من الكمالات لا يتحقَّق، إلّا إذا اصطدم الإنسان -تحت حكم قانون الخليقة- بالشدائد والصعاب، وحدث بينه وبينها احتكاك عنيف، وبرز في ميدان المبارزة والصراع مع الحوادث. ولا يعني هذا أنَّ أثرَ الشّدائد والمصائب هو مجرَّد ظهور جوهر الإنسان الأصيل، أي أنَّ لكلِّ إنسانٍ جوهره الأصيل المختفي كالمعدن تحت التراب، وأنَّ الشدائد لا تفعل شيئاً سوى الكشف عن ذلك الجوهر فحسب، كلا، ليس الأمر كذلك، إنه أرفع من ذلك، فالشّدائد والمصائب والبلايا تعمل أيضاً على تكامل الإنسان وتبديله وتغييره، إنها كالكيمياء التي تبدل المعدن من حال إلى حال، إنَّها بنّاءة، تخلق من الإنسان إنساناً آخر، وتحيلُ الضَّعيف قوياً، والوضيع رفيعاً، والفجَّ ناضجاً. إنها تنفي وتزيل الشّوائب والصّدأ، إنّها تثير وتحرك وتشحذ الذكاء وترهف المشاعر، وتزيل الوهن والتراخي. وعليه، لا يجوز اعتبارها سخطاً وغضباً، بل إنَّها لطفٌ بهيئة سخط، وخيرٌ في صورة شرّ، ونعمةٌ بمظهر نقمة.وفي غضون ذلك، تكون العناصر ذات الاستعداد الأكبر أكثر انتفاعاً بهذه الألطاف المرتدية رداء الغضب، النّعم المتشبّهة بالنّقم. إن أشخاصاً من هذا القبيل لا يستفيدون مما يصيبهم من شدائد، فحسب، بل هم يطلبونها ويخلقونها، وهذا هو جواب السؤال الأول عن كيفية ابتلاء الله أحبّاءه بالبلاء! أما السؤال الثاني عن معنى الامتحان في هذه الحالات، فإنَّ جانباً من الجواب قد ورد في ما سبق قوله. إنَّ وضع الشَّيء موضع الامتحان، والاختبار يكون الهدف منه أحياناً تعريفُ الشَّيء المجهول، أي جعل المجهول معروفاً، فيتوسّل لتحقيق ذلك بما قد يُعتبر ميزاناً أو مقياساً، مثلما توضع بضاعة ما في الميزان ليعرف وزنها المجهول. فالميزان ليس سوى وسيلة للوزن، ولا أثر له إلّا في تحديد الوزن الحقيقي للجسم، فلا يزيد منه ولا ينقص، كذلك الحال في جميع الموازين والمقاييس. فميزان الحرارة يقوم بقياس درجة الحرارة في الجوّ أو في جسم الإنسان. والمتر يقيس لنا الطول فيعينه. وعلم المنطق، الذي يسمّى علم الميزان أيضاً، يقيس لنا أشكال الاستدلال، فإذا ما حصل خللٌ أحياناً في صيغة الاستدلال، فإنَّ القواعدَ المنطقيَّة تكشِفُ عن ذلك الخلل. إذا كان معنى الامتحان هو استعمالُ الميزان والمقاييس لكشف المجهول فذلك لا يصحُّ بالنِّسبة إلى الله. إلا أنَّ للامتحان معنىً آخر، وهو الانتقال من القوّة إلى الفعل والتكامل، فالله الذي يمتحن بالبلايا والشدائد إنما يريد إيصال كل امرئ إلى ما يليق به من الكمال.



