اخر الأخبار

غرور العلم الناقص

2312

كما إنّ الإنسانَ يغترُّ أحياناً بماله فيكون صريعَ جنون الثروة، فيحسب أنَّ ما يكتنزه من مالٍ وثروةٍ يشبع كلَّ حاجةٍ وأنَّه يخلّده في الدّنيا: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾، أو قد يركبه الغرور بسبب ما عنده من مقامٍ وجاه، ويستولي جنون العظمة على تفكيره، فينطلق ليفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل، وقد يصل به الجهل والغرور حدّاً يقول معه كما قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾. كذلك يمكن أن يستوليَ على الإنسان أحياناً غرور العلم، وهو نوعٌ من أنواع جنون العظمة، مع اختلافٍ في أنَّ جنون الثروة والجاه يحدُث من كثرة الثروة والقوّة بينما جنون العلم يحدُث من نقص العلم وضعفه. يُقال: إنّ الوجود الناقص خيرٌ من العدم المحض، إلا العلم فإنّ عدمه خيرٌ من وجوده الناقص؛ لأنّ العلم الناقص يؤدّي إلى أن يغترّ المرء بعلمه الناقص فيعربد! صحيحٌ، إنَّ جنون الثروة والعظمة يورث العربدة أيضاً، إلا إنَّ هذا الجنون ناشئٌ من الكثرة والوفرة، بخلاف عربدة جنون العلم الذي ينشأ من النقص والقِلّة، وهذا يؤدّي إلى تكذيب الحقائق وإنكارها. وهنا أنقل إليكم حديثاً عن الإمام الصادق عليه السلام ، مفاده: إنّ الله في آيتين من القرآن الكريم منع الناس من التصديق والتكذيب اللذين لا يكونان في محلّهما، تقول الآية الأولى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَ الْحَقَّ﴾ أي أنْ لا يقولوا من عندهم ما ليس لهم به علم، فيحلّلون هذا ويحرّمون ذاك متقوِّلين على الله، قال كذا وكذا هنا، وقال كذا وكذا هناك. لقد أخذ عليهم عهداً أن لا يقولوا شيئاً حيث سكت الله ولم يعيّن لهم واجباً، لا أن يبتدعوا من أنفسهم بدعاً ويضعوا لها التعاليم، زاعمين أنَّها من عند الله. يصاب الإنسان أحياناً بمرض التصديق، ففي الموضوعات التي لم يُنزِل الله تعاليم معيّنة، واقتضت المصلحة أن يُترك الناس أحراراً، يحاول الإنسان أن يضع تعاليمه وينسبها إلى الله. أو قد تسوِّل له أهواؤه وشهواته أن يرتكب أفعالاً قبيحة، فيضع من عنده ما يشاء من التشريعات ويقول إنَّها من عند الله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. هذا عهدٌ أخذه الله على عباده ألَّا يقولوا ما ليس لهم به علمٌ، وألّا ينسبوا إلى الله ما لم ينسبه إلى نفسه. والعهد الثاني هو قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ فإن كانت ثمّة مسائل لا يدركونها جيّداً، ولا يعرفون بواطنها وخوافيها، فبدلاً من أن يقولوا: لا نعرف، لا ندري، عقولنا قاصرة عن فهمها مثلاً، يركبهم الغرور وجنون العظمة فيكذِّبون ما لا يشهدون، ويقولون لا وجود لشيءٍ كهذا، وينكرون قبل الإحاطة والفهم. للشيخ الرئيس (ابن سينا) كلمتان يقترب مضمونهما من هذا الكلام، فيقول بخصوص التصديق بغير دليل: “من تعوّد أن يصدّق بغير دليل فقد انخلع عن الفطرة الإنسانية”؛ أي إنَّ إنساناً هذا شأنه ليس إنساناً. وفي الكلمة الثانية يتناول إنكار شيءٍ بغير دليل فيقول: “كلّ ما قرع سمعك من الغرائب، فَذَرْه في بقعة الإمكان، ما لم يَذُدْك عنه قائم البرهان”. إنَّ لكلِّ امرئٍ من حيث جسمه وهيكله حدوداً، وكذلك هو من حيث الروح والعقل والعلم، فلكلٍّ منها حدودها وسعتها، فعلى الإنسان أنْ يدرك حدوده ويعرفها ولا يتعدَّاها. قال أمير المؤمنين عليه السلام: “العالِمُ من عَرَفَ قَدْرَهُ، وكفى بالمرء جهلاً أن لا يَعْرِفَ قَدْرَهُ”. إذ يعرف المرء في دنياه كثيراً من الأمور، ويحيط بعلومٍ عديدة كالرياضيات والطبيعيّات والاجتماعيّات، ويعرف أخبار العالم وتاريخ الأمم وماضيها، يقدّر حدود الأشياء وموازينها، ولكنّه يكون جاهلاً بقضيّة واحدة، وهي الجهل بحدوده وموازينه هو، فلا يكون قد قاس روحه وفكره وعقله! فتكون كلّ تلك الأمور التي يحيط بها لا شيء بإزاء ما يجهل؛ لأنَّ جهله هنا ينشأ عنه الجهل بآلاف الأشياء، ويتسبّب في تكذيب كثير من حقائق الخليقة المسلَّم بها، فيكون داعيةً إلى الغرور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى