الإمام الصادق (عليه السلام).. سيرة مشرقة ومناقب عظيمة

ولد الإمام جعفر بن محمّد الصادق “عليه السلام” يوم الاثنين في السابع عشر من شهر ربيع الأوّل بالمدينة المنوّرة سنة 83هـ. وكانت ولادته المباركة في اليوم الذي ولد فيه رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم”. وهو يوم عظيم البركة. وأبوه الإمام محمّد بن علي الباقر “عليه السلام” وأمّه الجليلة المكرّمة فاطمة، المكنّاة بأمّ فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، التي روي في حقّها عن الإمام الصادق “عليه السلام” أنّه قال: “كانت أمّي ممّن آمنت واتّقت وأحسنت، والله يُحبّ المحسنين” وكان يُقال للإمام الصادق “عليه السلام” ابن المكرّمة.
وبعد شهادة أبيه الإمام الباقر “عليه السلام” تسلّم الإمام الإمامة بوصيّة من والده. واستمرّت إمامته 34 سنة تقريباً من سنة 114هـ حتّى شهادته في سنة 148هـ.
ولُقّب الإمام “عليه السلام” بعدّة ألقاب منها: الصابر، الفاضل، الطاهر، الصادق، وهذا الأخير هو أشهر ألقابه.
وولد للإمام الصادق “عليه السلام” عشرة أولاد من الذكور والإناث، وهم: الإمام موسى الكاظم “عليه السلام” أمّه أم ولد، وإسماعيل وعبد الله وأم فروة، أمّهم فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب “عليهم السلام”، وإسحاق ومحمد، والعبّاس وعلي وأسماء وفاطمة أمّهاتهم أم ولد.
وقبل شهادته المباركة أوصى لابنه الإمام موسى “عليه السلام” بالإمامة من بعده وكانت شهادته في شهر شوّال سنة 148هـ مسموماً على يد المنصور، وهو ابن خمسٍ وستّين سنة، ودفن في جوار آبائه الطاهرين في البقيع في المدينة المنوّرة.
عبادته ومكارم أخلاقه
عُرِف الإمام الصادق “عليه السلام” بمكارم الأخلاق وأسماها، وكانت مناقبه كثيرة تفوت عدّ الحاسب، ويحار فيها الإنسان. وممّا ورد في عفوه عن الناس ما روي أنّ رجلاً أتاه “عليه السلام” فقال: إنّ فلاناً ابن عمّك ذكرك فما ترك شيئاً من الوقيعة والشتيمة إلّا قاله فيك، فقال أبو عبد الله “عليه السلام” للجارية: ايتيني بوضوء، فتوضّأ ودخل، فقلتُ في نفسي: يدعو عليه، فصلّى ركعتين، فقال: “يا ربّ هو حقّي قد وهبته، وأنت أجود منّي وأكرم، فهبه لي ولا تؤاخذه بي ولا تُقايسه”، ثمّ رقّ فلم يزل يدعو فجلعت أتعجّب.
وقد ورد في شدّة عبادته لله سبحانه وتعالى أنّه كان يُسبّح الله وهو راكع ستّين تسبيحة، فقد روى أبان بن تغلب قال: “دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وهو يُصلّي فعددت له في الركوع والسجود ستّين تسبيحة”.
وروي عن مالك بن أنس ـ فقيه أهل السنة وإمامهم في ذلك العصر ـ أنّه قال: “وكان جعفر بن محمّد لا يخلو من إحدى ثلاث خصال: إمّا صائماً، وإمّا قائماً، وإمّا ذاكراً، وكان من عظماء العبّاد، وأكابر الزهّاد الذين يخشون الله عزّ وجلّ، وكان كثير الحديث، طيّب المجالسة، كثير الفوائد، فإذا قال: “قال رسول الله” اخضرّ مرّة واصفرّ أخرى حتّى يُنكره من يعرفه.
ولقد حججت معه سنة فلمّا استوت به راحلته عند الإحرام كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه وكاد يخرّ من راحلته، فقلتُ: قل يا بن رسول الله، فلا بدّ لك من أن تقول، فقال الصادق “عليه السلام”: “يا بن أبي عامر، كيف أجسر أن أقول: لبّيك اللهم لبّيك، وأخشى أن يقول عزّ وجلّ لي: لا لبّيك ولا سعديك”.
قبس من علمه
إنّ النظر إلى كلمات المعاصرين للإمام الصادق “عليه السلام” يكشف عن سعة علم الإمام “عليه السلام” ومكانته عندهم، قال كمال الدين محمّد بن طلحة: هو – “أي الإمام الصادق “عليه السلام” – من عظماء أهل البيت “عليهم السلام” وساداتهم ذو علوم جمّة وعبادة موفورة وأوراد متواصلة وزهادة بيّنة وتلاوة كثيرة يتتبّع معاني القرآن الكريم ويستخرج من بحره جواهره ويستنتج عجائبه ويُقسّم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يُحاسب عليها نفسه. رؤيته تُذكّر بالآخرة واستماع كلامه يُزهّد في الدنيا والاقتداء بهداه يورث الجنّة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع بأنّه من ذريّة الرسالة، نُقل عنه الحديث واستفاد منه العلم كثير من العلماء، مثل: يحيى بن سعيد الأنصاريّ وابن جريح، ومالك بن أسد، وابن عيينة وأبي حنيفة، وغيرهم، وعدّوا أخذهم منه منقبة شُرّفوا بها، وفضيلة اكتسبوها.
وكان من أصحابه أيضاً الذين تتلمذوا على يديه، وصاروا من كبار العلماء الإماميين، منهم: أبان بن تغلب، إسحق بن عمار، بريد بن معاوية العجلي، ومحمد بن مسلم الثقفي، والفضيل بن يسار، وجميل بن دراج، وإسماعيل بن مسلم الكوفي، ومعاوية بن عمار العجلي، حمران بن أعين الشيباني، زرارة بن أعين، صفوان بن مهران، وغيرهم الكثير.
وهناك شواهد كثيرة على عظمة الإمام الصادق “عليه السلام” العلمية، وهو أمر متّفق عليه من قِبَل علماء الشيعة والسنّة، فالفقهاء والعلماء الكبار يتواضعون أمام عظمته العلمية ويمدحون تفوقّه العلميّ، فأبو حنيفة يقول: “لما أقدمه (جعفر بن محمد) المنصور بعث إليّ، فقال: “يا أبا حنيفة، إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيّئ له من مسائلك الشداد فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور، فسلّمت عليه، فأومأ إليّ فجلست”.
ثمّ التفت إليه، فقال: يا أبا عبد الله، هذا أبو حنيفة.
قال “عليه السلام”: “نعم أعرفه”.
ثمّ التفت إليّ فقال: يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك.
فجعلت أُلقي عليه فيجيبني، فيقول “أنتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا”، فرّبما تابعنا وربّما تابعهم وربّما خالفنا جميعاً، حتّى أتيت على الأربعين مسألة فما أخلّ منها بشيء.
ثمّ قال أبو حنيفة وبعد ما بلغ إلى هذا الوضع: “أليس أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟”.
ونقل الناس عنه -الصادق عليه السلام- من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من العلوم.



