اخر الأخباراوراق المراقب

مزايا المال والسبل المشروعة لصرفه

القوة الاقتصادية هي إحدى أبرز المزايا التي يمنحها المال لمالكه، حيث ترتبط القدرة المالية ارتباطًا وثيقًا بمدى النفوذ والتأثير في المحيط الاجتماعي والسياسي، فالمرء الذي يمتلك موارد مالية وفيرة يكون أكثر قدرة على صنع الخيارات، وتأمين المتطلبات الاستراتيجية، ومواجهة التحديات مقارنةً بمن يفتقر إلى تلك الموارد، مما يمنحه موقعًا أكثر تمكينًا واقتدارًا.

ولا يقف أثر هذه القوة عند حدود المعاملات المادية، إذ يشكل الاقتصاد الركيزة الأساسية للسياسة وبناء مراكز القرار، فالتمكين المالي يتيح للأفراد المسلمين ومؤسساتهم، وحتى الدول، أدوات ضغط فاعلة للتحكم في القرارات والتأثير في التوجهات العامة، ولهذا فإن القوة الاقتصادية كثيرًا ما تتحول إلى نفوذ سياسي يرسخ الحضور، ويفرض الهيبة في ميادين التنافس.

إن العزة الاقتصادية، القائمة على الاستغناء والقدرة على الإنتاج والاستثمار المستدام والراسخ، تجلب بطبيعتها عزة سياسية واستقلالاً في القرار للحكومات الإسلامية وسواها، فعندما يتحرر القرار من القيود والحاجة المالية، يتشكل الموقف السياسي السيادي الذي يمتلك الحصانة ضد الضغوط الخارجية، ويرسخ المكانة ويعزز الاستقرار والكرامة.

إن قوة الإنجاز يُنظر إليها كأبرز المزايا والآثار الإيجابية للمال، فالمال في جوهره ليس مجرد أرقام تُدّخر، بل هو طاقة محرّكة ووسيلة تنفيذية تمكّن المجتمع من تحويل الأفكار والنيات الحسنة إلى واقع ملموس، وهكذا عندما تنمو ثروة المسلمين وتتسع مواردها المالية، تزداد بالضرورة قدرتهم على تأسيس وإدارة المشاريع التنموية الكبرى، وإنشاء المؤسسات الخيرية والاجتماعية التي تعود بالأنفع والأفضل على الفرد والمجتمع.

المال شريان يغذي المبادرات المهمة

مثال ذلك في حال إقامة المستشفيات الحديثة، وبناء المدارس والجامعات، وكفالة الأيتام، ودعم البحث العلمي، وتوفير فرص العمل للشباب، فإن هذه المشاريع كلها غايات نبيلة تتطلب تمويلاً استثمارياً ودعماً مستمراً، ومن غير المعقول منطقياً أو واقعياً أن تُبنى هذه الصروح وتستمر في أداء رسالتها وتتوسع في خدماتها دونما ركيزة مالية صلبة، فالمال هو الشريان الذي يُغذي هذه المبادرات المهمة ويضمن استدامتها وجودتها.

ولا شك بأن الوفرة المالية والقوة الاقتصادية تُعتمد كأهم المقومات المحركة للنفوذ السياسي وحفظ سيادة الدول، إذ لا يمكن استقلال القرار السياسي بعيداً عن الاستقلال الاقتصادي. كما أن أي درجة من التطور يمكن أن تتحقق في علوّ الإسلام ورفعة أمتنا في العصر الحديث تكون مرهونة بتفوقها الشامل في جميع الميادين، وفي مقدمتها الاقتصاد، فالمال هو المحرك الرئيس لبناء القوة العسكرية، ودعم التطور التكنولوجي، وتشييد البنى التحتية المتينة، وتقديم العون الدبلوماسي، وتنامي الخبرات الإدارية والسياسية المختلفة.

وحينما تتسع ثروات البلدان الإسلامية وتستثمر بكفاءة، يتحول الاقتصاد إلى أداة ضغط استراتيجية تؤمن لها مكاناً مرموقاً في الساحة الدولية، وبالمقابل، فإن إهمال الجانب الاقتصادي والتخلف عن مجاراة التكتلات المالية العالمية يؤدي حتماً إلى التبعية للغير وضعف الهيبة السياسية، فلولا التفوق الاقتصادي والريادة المالية سيكون التراجع السياسي والتخلف والضعف والفوضى نتيجة حتمية لا يمكن التخلص منها إلا بإيجاد مقومات القوة السياسية.

ولابد من أن نشير إلى أن مزايا المال لا تقتصر على تلبية الاحتياجات المادية وتشييد البنى التحتية فحسب، بل تتعدى ذلك لتشكل دعامة أساسية في بناء القوة المعنوية والنفسية للإنسان والمجتمع، فالمال حين يُكتسب من حلال ويُوجه نحو الخير، يتحول من مجرد وسيلة تبادل تجاري إلى أداة لتعزيز العزة والكرامة والاستقلال النفسي، مما يمنح الفرد الطمأنينة ويحميه من ذل الحاجة والمسألة التي قد تضعف الموقف الإيماني وتخدش الكرامة الإنسانية.

أداء الرسالة واستدامة الخير

وقد أكدت النصوص والروايات الشريفة هذا البعد المعنوي للمال، موضحة أنه وسيلة تُعين على العبادة واستقرار الروح، فعن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «نعم العون على تقوى الله الغنى». يبيّن هذا الحديث الشريف أن الكفاف والثروة الصالحة يفرغان القلب من هموم المعيشة الضاغطة، مما يتيح للإنسان التفرغ للطاعة، والإحسان إلى الآخرين، والتوجه نحو المبادئ السامية بقلب مطمئن ونفس عزيزة.

وهكذا فإن القوة المعنوية تترسخ عندما يشعر الفرد والمجتمع بالقدرة على العطاء وصنع الخير، فاليد العليا المُعطية تتحلى بروح المبادرة والإيجابية، وتملك شجاعة الموقف والحرية في اتخاذ القرار، بعيداً عن ضغوط الاستجداء أو الخضوع للإملاءات، وبذلك يتضح أن المال ليس منافياً للقيم الروحية والتقوى، بل هو شريان يغذي الطاعات، ويدعم العفة، ويرفع الروح المعنوية للأمة، مستبدلاً الشعور بالعجز والهوان بقوة التوكل والعزة والعمل الصالح.

ومن الأمور المهمة في هذا المجال أن الهدف من الاهتمام بالمال والعمل على تكثيره وتحصيل الغنى ليس من أجل التكاثر العددي، أو جمع الثروات لأي سبب وبأي شكل اتفق، سواء كان مشروعاً أو غير مشروع، فالنظرة الإسلامية للمال تقوم على الانضباط والمسؤولية، إذ ليس المقصد من الاهتمام بجمع المال هو الجشع أو التفاخر، بل المراد هو تحصيل المال عبر الطرق والوسائل الشرعية الكسبية التي يقرها الدين والأخلاق.

وذلك عبر العمل الصالح والتجارة الشريفة، كما يكتمل هذا الهدف بصرفه في الموارد والمصارف المشروعة كإنفاق العيال وإيتاء الزكاة والتصدق، وبهذا التوازن بين طريقة الكسب وأوجه الإنفاق، يتحقق الغرض الأسمى بتمكين الإنسان من عيش الحياة الكريمة التي يحلم بها ويسعى إليها، وهي الحياة المصونة بالعزة والتقوى والاستقرار.

بالنتيجة يمثل المال حجر الزاوية في بناء القوة الشاملة للمسلمين، كما أن التفوق الاقتصادي يُعد مقوماً جوهرياً لترسيخ الاستقلال السياسي والسيادة الدولية، ولولا الرفعة المالية لما تحققت رفعة الأمة بين الأمم، إضافة إلى ذلك، يمنح الكسب الحلال صاحبه القوة المعنوية والعزة والكرامة، ويكون نِعم العون على تقوى الله وطاعته، ليعيش المسلم حياة كريمة تجمع بين أداء الرسالة واستدامة الخير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى