اراء

بين استعراض فنزويلا ورصاصة إيران.. قراءة في انتحار ترامب السياسي

بقلم: أحمد صالح سلوم..

ليس في التأريخ الحديث مشهدٌ أشدّ تناقضاً من مشهد رجلٍ يظن نفسه صانعاً للأمم، وهو لا يملك من أمر نفسه شيئاً. ذلك أن الرئيس دونالد ترامب، في محاولته اليائسة لقلب موازين انتخابات التجديد النصفي، انخرط في لعبة خطيرة أوهمته بأنه القائد الأوحد، لكنها أوصلته إلى حافة الهاوية التي يترنح فوقها اليوم. بين فيلم “الاستيلاء على كنز فنزويلا” الترويجي، و”رصاصة الرحمة” التي أطلقها على نفسه في إيران، نقرأ مأساة سياسي لم يفهم أن المجد الحقيقي لا يُبنى على أكاذيب، وأن الخاسر الأكبر في معاركه الوهمية هو نفسه.

إننا في هذا المقال نحاول تفكيك الخيوط الخفية لهذا الصراع الدرامي الذي يجمّع بين الاستعراض الإعلامي، والانتحار السياسي، ومصير شعبين، فنزويلا وإيران، وهما في النهاية مجرد أدوات في مسرحية أمريكية داخلية بامتياز.

فيلم “الكنز الفنزويلي”.. استعراض لا احتلال

لقد تعودنا من الإدارة الأمريكية، أن تلف الحقائق بعباءة الدراما، فتُخرج لنا فيلماً هوليوودياً كلما احتاجت إلى تغطية فشلٍ أو تبرير عدوان. لكن ما حدث في فنزويلا هو نموذج فاقع للاستعراض السياسي الذي لم يسبق له مثيل.

فالقصة التي روجتها وسائل الإعلام المقربة من البيت الأبيض عن “استيلاء الولايات المتحدة على خرائط المعادن النادرة الصينية” في فنزويلا، وقصة “قوس أورينوكو المعدني” الذي تحول إلى ساحة سباق بين واشنطن وبكين، هي في حقيقتها مجرد “ديكور سياسي” أقيم على عجلٍ ليخفي حقيقة دامغة، أن إدارة ترامب لم تحقق أي انتصار حقيقي، بل قامت بتحرير دبلوماسي وأمني لصالح شركات التعدين الأمريكية، من خلال ترخيص عام يستثني الصين وروسيا، دون أن ترفع سلاحاً واحداً.

الحقيقة المُرّة

الحقيقة التي تغيب عن المشاهد العادي، والتي لا تروق لمن يصدقون أساطير “الكنز”، هي أن السيطرة على الخامات لا تعني السيطرة على الصناعة. فالصين، وبحكم احتكارها لتقنيات التكرير التي تمتد جذورها إلى عقود من البحث العلمي، لا تزال تسيطر على نحو 92% من قدرة التكرير العالمية للمعادن النادرة. والفجوة بين الطرفين ليست فجوة موارد، بل فجوة معرفة وخبرة وبنية تحتية لا يمكن سدها بين عشية وضحاها، ولا حتى بعشر سنوات.

إن ترامب، في استعراضه هذا، لم يسرق خرائط، بل سرق عقول أمته حين أقنعها بأن النصر يُمكن أن يُشترى بأوراق الترخيص بينما الحقيقة تُصنع في معامل التكرير الصينية.

لكن الخطأ الأكبر، الذي قد يكلف ترامب الانتخابات، هو ظنه أن هذا التحول يمكن أن يُباع كـ”انتصار” داخل أمريكا. فالشارع الأمريكي، المنشغل بقضايا التضخم والبطالة، لا يبالي كثيراً بمن يحكم كاراكاس، بينما يهتم كثيراً بمن يملأ جيوبه. وهنا يكمن الخلل الاستراتيجي في حسابات ترامب.

إيران.. رصاصة الرحمة التي أطلقها على نفسه

بينما كان ترامب يستعرض في فنزويلا، كان يضرب في إيران ضربة أعمى، ضربة لم تكن إلا رصاصة الرحمة التي قضت على حظوظه في الانتخابات. ففي خضم سباقه المحموم نحو المجد الانتخابي، اعتقد أن توجيه ضربة عسكرية إلى طهران سيكون بمثابة البطاقة الرابحة التي تضمن له أصوات الناخبين اليهود والعرب في ولايات مثل فلوريدا، لكنه أخطأ في التقدير مرتين:

الأولى: أنه راهن على أن إيران ستسكت، غير آخذٍ بعين الاعتبار، أن طهران على عكس كاراكاس، تمتلك قدرات عسكرية تمكنها من رد الصاع صاعين، وأن أي عدوان عليها سيفتح أبواب الجحيم في المنطقة بأسرها.

الثانية: أنه نسى أن الناخب الأمريكي، مهما كانت انتماءاته، يكره الحرب ويخاف من اتساع رقعة الصراع، خاصة حين تبدأ تكلفة الحرب في الظهور على شكل ارتفاع في أسعار النفط والمواد الغذائية داخل الولايات المتحدة نفسها.

بين فنزويلا وإيران

إن ما يجمع بين الملفين هو تلك “النزعة الاستعراضية” التي تطبع سياسة ترامب الخارجية، والتي تنظر إلى الشعوب والدول كديكورات يمكن تغييرها حسب الحاجة الانتخابية. ففي فنزويلا، كان الفيلم عن “الصراع على المعادن النادرة” و”طرد النفوذ الصيني”. أما في إيران، فكان الفيلم عن “الحفاظ على الأمن القومي” و”القضاء على الإرهاب”.

لكن الحقيقة الأعمق، التي لا تروق لمن يبحثون عن الشهرة، هي أن كل هذه الأفلام لا يمكن أن تستمر طويلاً دون أن تتحول إلى كوابيس. فسياسة “الاستعراضات الإعلامية” التي تنتهجها الإدارة الأمريكية لا تخلق واقعاً جديداً، بل تخلق فوضى جديدة تتفاقم تداعياتها على المدى البعيد.

ماذا يعني كل هذا لترامب.. ولمستقبل أمريكا؟

الخلاصة الأكثر إيلاماً لترامب، هي أن سياساته الخارجية التي ظن أنها ستكون سلاحه الأقوى في الانتخابات، تحولت إلى عبء ثقيل يكاد يكسره. فالناخب الأمريكي، كما أظهرت استطلاعات الرأي قبل الانتخابات، يهتم أكثر بقضايا الاقتصاد الداخلي، ويخشى من انزلاق بلاده إلى مغامرات حربية جديدة. وبدلاً من أن تكون “إنجازات” فنزويلا وإيران بطاقات فوز، أصبحت أوراق خسارة تلوح في الأفق.

في انتظار سقوط المدّعي

ليس في الحياة السياسية أقسى من أن يظلم الإنسان نفسه، فيظن أنه يبني مجده، وهو لا يبني إلا وهمه. هكذا هو ترامب اليوم، يظن أنه يضرب في فنزويلا وإيران ليؤسس لإمبراطورية انتخابية، بينما هو في الحقيقة يكتب بنفسه شهادة سقوطه.

لقد أظهرت إيران أن “رصاصة الرحمة” لا تأتي من عدو، بل من سوء التقدير. وأظهرت فنزويلا أن “الكنز” لا يُسرق بأفلام هوليوودية، بل يُبنى بجهود علمية وتكنولوجية تمتد لعقود. وإذا كان لا بدَّ من كلمة أخيرة، فهي أن التأريخ لا يُصنع بالاستعراضات، وأن الشعوب لا تُقهر بالأوهام. أما ترامب، فسيظل عبرة لمن يعتبر من المغامرين السياسيين الذين يظنون أن المجد يُباع في سوق الانتخابات، بينما الحقيقة أنه يُصنع في مزارع الوعي والثقافة والمعرفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى