أوراق من حكم العثمانيين للعراق


د. عبد العظيم نصار
إستعاد العثمانيون العراق، الا انهم تابعوا سياستهم التقليدية من دون ان يقوموا باصلاح شامل في البلاد، وبقي العراق يعيش حالة من الخمول الثقافي والعمراني بسبب السياسة العثمانية التي كانت تعد الولايات العراقية ممتلكات بعيدة غير مثمرة، فكانت السنين تمر والولاة تتغير، إذ يذكر المؤرخون ان 39 والياً حكم بين (1639 ـ 1704 م) ولم يترك واحد منهم عند عزله او نقله أي اثر يذكر، سوى ترميم المساجد والجوامع او بناء سدود ترابية ما تفتأ ان تنهدّ، فكانت الضرائب تزداد او تبدل من دون قانون تجبى بموجبه، ويعين الموظفون الكبار بحسب المنفعة والمحسوبية او الرشوة.
وفضلا عن هذا ان القاعدة التي انتهجها السلاطين العثمانيون في تعيين الولاة لمدة سنة واحدة ويجدد تعيينه الى ثلاث سنوات، هذه المدة القصيرة نسبيا لا تمكنه من القيام بمشاريع طويلة الامد كتشييد المستشفيات او المدارس او انشاء الطرق، لهذا احتفظ المجتمع بتنظيماته القبلية والاقطاعية من دون ان يهتمّ بما يجري في العالم.
وكانت كثرة تمردات الانكشارية مظهرا من مظاهر هذه المدة يرافقها اضطراب الوضع الامني خارج حدود المدن بسبب كثرة النزاعات بين العشائر التي شهدتها هذه المدة، مع كثرة التحالفات وتغيير اماكنها فما تمر سنة من دون ان يتغير خلالها انتشار تلك القبائل في اماكن اكثر امنا او بعيدا عن سلطة الدولة.
ولاسباب معاشية ابدلت عشائر بني كعب موطنها واخذت في التوسع، وكان ضعف الوالي وظهور شخصية قوية هو سليمان شيخ بني كعب، أدّيا الى سرعة التوسع بحيث استطاع الاستقلال عن كل من العثمانيين والصفويين. واستطاع الاتحاد القبلي من بني مالك، والاجود، وبني سعيد، والمسمى بعشائر المنتفق، الذي تحكمه اسرة آل شبيب من تحقيق التوازن مع قبيلة كعب، تلك المنطقة التي كانت فيها سلطة الحكومة المركزية لكلتا الدولتين ضعيفة.
وتميزت الحالة السياسية في الموصل بعد طرد الصفويين منها (1626 ـ 1726 م) وهو تاريخ تولي اسماعيل باشا الجليلي الحكم، بعدم الاستقرار في احوال حكومتها بسبب سرعة تبدل الولاة الذين كانوا من جنسيات مختلفة عربية او كردية او عثمانية، كما شهدت هذه المدة تأسيس سلالة كردية، حيث ظهر رجل يسمى احمد الفقيه (1664 م) ويلقب “بابان”، وقد استغل ابناؤه ضعف الدولة العثمانية وبسطوا نفوذهم على شهربازار. وكركوك ومناطق اخرى، وبهذا تلاشى النفوذ العثماني وامتد نفوذ آل بابان بين ديالى والزاب الكبير. وشهد هذا العهد ايضا كثرة الكوارث الطبيعية، وبالاخص خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي، وفي وسط هذا الاضطراب السياسي والتدهور الاقتصادي برزت ظاهرة نمو الاسرة الاقطاعية ومنها الاسرة الجليلية.
وقد ساعد ثراء هذه الاسر في الظهور على الساحة السياسية اذ تشير المصادر التاريخية من ان نقصاً حادا في الخزينة بسبب الاوضاع التي كانت تمر بها الموصل ادى الى عجز الدولة في القيام بمشاريع اصلاحية، ففي سنة (1720 م) اراد الوالي مصطفى باشا بناء قناطر حجرية على جسر الموصل، الا انه عجز عن تنفيذ هذا المشروع ، فتبرع اسماعيل الجليلي بنفقات بناء هذه القناطر. كما تبرع بمبالغ لبناء مسناة للجسر في سنة (1722 م)، ودفع ثلث الضرائب التي فرضت على اصحاب الحرف والصناعات، وبادرت الاسرة الى تحمل نفقات الجيش الموصلي الذي ساهم مع العثمانيين في احتلال الجيوش العثمانية الاراضي الايرانية.
اما في البصرة، فالاوضاع المتردية بسبب القلاقل والثورات المستمرة التي كان يقوم بها ابن عليان شيخ الجوازر والتحرشات الصفوية، ادت الى قلة واردات البصرة التي صارت لا تكفي حتى لدفع رواتب الانكشارية. مما دفع الوالي علي باشا الى بيع حكم الولاية الى كاتب الجند (افراسياب)، سنة (1596 م) الذي استطاع ان يكوّن اسرة مستقلة بالحكم عن الدولة العثمانية حتى عام (1668 م). وكان لامارة افراسياب اثر في الاحداث السياسية المحلية، اذ كانت ولمدة طويلة مصدر قلق وازعاج للعثمانيين، اذ كان على الدولة ان تتعامل معها بحذر لقربها من الصفويين، كما انها استفادت من المنافسة التجارية بين الشركات العاملة في البصرة والتي كانت تفضل التعامل مع اسرة محلية تتساهل في القضايا الكمركية بدلا من التوجه الى الدولة العثمانية.
والجدير بالذكر ان التجارة قد ازدهرت في عهد افراسياب ففتح ميناء البصرة للتجارة الاوربية، حتى ان البرتغاليين الذين اخرجوا من هرمز سنة (1622 م) نقلوا نشاطهم التجاري الى البصرة. ولاسباب اقتصادية، كانت اطماع الفرس في السيطرة على البصرة تدفعهم لتكرار الهجمات، ولكن استطاع علي باشا افراسياب ان يوطد علاقته مع الصفويين مما ازعج الدولة العثمانية وقررت ازالة هذه الاسرة، فتم القضاء على اخر امرائها (حسين افراسياب) على اثر حملة قادها والي بغداد مرتضى باشا عام (1667 م)، وبذلك استعاد العثمانيون حكمهم المباشر عليها.
غير ان الاوضاع ظلت غير مستقرة بسبب تمردات العشائر التي تقطنها او العشائر المجاورة لها والتي ادت الى ان تتحول الى مجرد متسلّمية تابعة لولاية بغداد (1706 م)، اذ لم يكن من بين الولاة ممن له القدرة على دراسة مشكلة العراق الاساسية الا وهي ادخال العشائر تحت ظل سيطرة الدولة من دون اللجوء الى سياسة الخضوع لرؤسائها او اتباع الاسلوب العسكري في القضاء على الاضطرابات والفتن التي تثيرها بين الحين والاخر.
ولم تكن انباء هذه التمردات وعصيان العشائر والتحرشات الحدودية من الصفويين خافية على العثمانيين في الاستانة، مما دفعهم للاهتمام بأمن العراق وحماية حدوده، فاختاروا لولاية بغداد رجلا امتاز بالجرأة والبسالة هو حسن باشا (1704 ـ 1723 م)، هذه الولاية التي دامت عشرين سنة منحته الفرصة في تحسين شؤون ولايته التي كانت في وضع سياسي متردٍ، واهمها نجاحه في ضبط العراق من سنجار الى الفاو واعاد للدولة هيبتها بعد ان كانت العشائر تتجاهلها وتزدريها، وصار في امكان الانسان ان يسافر من دون ان يجسر احد على نهبه. وساد الاستقرار ايضا حتى في الريف الذي اهتم بزراعته مرة اخرى.
وقد استطاع هذا الوالي من اخضاع بعض العشائر من شرق دجلة وفي جنوب الموصل، والقضاء على سليمان رئيس الخزاعل عام (1705 م) الذي انضمت اليه بعض الجماعات العشائرية التي كانت تغير على بغداد والحلة وتهاجم القوافل التجارية. وفي عام (1706م) جهز حملة للقضاء على ثورات مانع بن مغامس وعشيرته التي كانت تهاجم البصرة كثيرا، وفي عام (1715 م) اعدم بكر بك وارجع المناطق البابانية في الشمال الى الحكم المباشر وغير ذلك من الامور التي اعادت هيبة الدولة.
ان الجهود التي بذلها الوالي حسن باشا في اخماد الثورات والاضطرابات العشائرية وصد الهجمات الصفوية لم تشغله عن تقديم خدمات جيدة اكسبته الشهرة ومحبة الناس حتى كادوا يلقبونه بابي الخيرات، فقد امر بترميم جسر التون كوبري، وانشاء القناطر في الموصل وكركوك ومسناة لجسر بغداد. وترميم مراقد الائمة (عليهم السلام) في النجف والكاظمية وكربلاء. كما شيد خانا جديدا بين النجف وكربلاء لاستراحة زوار العتبات المقدسة، وامر بشق جدول لنهر الحسينية المعروف بـ(النهر السليماني)، والغى ضريبة الطمغة والباج.
وفي الوقت نفسه شق الجداول لتشجيع العشائر على الاستيطان، واسس الجوامع ومنح الاموال والاراضي لاجل ذلك. والجدير بالذكر والاهتمام، ان حسن باشا تلك الشخصية التي صقلتها الظروف، ساعدته بالتفكير في تكوين جيش يأتمر باوامره، بعد ان فسدت القوات الانكشارية وضعف التزامهم وانصياعهم لاوامر الولاة.



