لوحات التشكيلي ضياء حسن.. عندما يتصل الواقع الإنساني بالخيال

المراقب العراقي/ الدكتور حيدر عبد الأمير..
يعد فعل التخيل من أسرار العمليات العقلية، إذ ان تكوّن الصورة المُتخيَلة وفعلها في الواقع الخارجي يوجب إيجاد مفاتيح للتشكّلات الصورية ابتداءً من القوة إلى الفعل، وما الفعل إلا صورة رمزية لمصداق التخيل الذي شكّله الصانع بغية إيراد مجسات صورية للمتلقي تنفتح لآفاقٍ متعددة، لكن مشيئة الفعل الصوري تضعنا أمام ملامح موحدة تشير إلى أسلوبٍ قائمٍ ومتشكلٍ بطرقٍ أدائية قد تختلف باختلاف الموضوع ولكن ذاتها التي تجسد أسلوب الفاعل للصورة، هكذا تمكن (ضياء حسن) من أضفاء صورته المُتخيلة كأسلوب في ذهن المُتلقي، ولكن في الواقع أن طبيعة التعامل مع الفضاء التشكيلي بآلية أسلوبية منفتحة فيها من الصعوبة بشيء.
كون المرونة في تعدد الفكرة وبأسلوب وشخصية محددة سابقاً تحتاج إلى سعة من المعرفة والدقة في تناول المفردات وتشكلاتها بطرقٍ جديدة الأمر الذي يشير إلى أن المخيال الفني للفنان لديه القدرة على إطالة واستمرارية تناول السلوك الفني الخاص به، وهذا ما يفشل عنه آخرون قد يتجاوز بهم الزمن وليس في الأفق شيءٌ يذكر سوىٰ ما قد جرىٰ عليه الزمان نفسه إلا إن التجربة التي يخوضها (ضياء حسن) تضع المتلقي والمتتبع لفروضه الفنية في دهشة اتجاه بناء الصورة وإملاء العدم بما يُشكل صيرورة صورية مُستمرة سواء أكانت مُعالِجة لنظامٍ معين أم إنها محض جمال… وكلاهُما واردٌ لديه، وفي كلتا الحالتين النتيجة واحدة، صورةٌ رمزية تحتاج إلى وقفة وتأمل وسياحة في عالم تكوّن الصورة وبنائها وعلاقاتها التي تُفضي باستمرار زمن وجود المادة، إذ إن الفنان يحاول تجسيد الفكرة بما يشبه المادة وهي تلك الأشكال الهندسية وعلاقاتها المختلفة في وقتٍ توحي به إلى روحية عالية من التجرد عن المادة.
إن المادة لديه صورة لتشكل الرمز المجرد من أشكال وتكوينات خاصة قد لا توجد في الواقع الخارجي، وهذا هو أحد مصاديق تلك المخيلة التي قد تختلف في مسار بناء الصورة والتكوين الفني… وليس هذا من مقتضيات البديهة لبناء الصورة، وإنما هي معالجة قد يكون فيها نوع تلقائية ولكنها مدروسة طبقاً لآليات تجعل الصورة الفنية في مسار التجانسي والانسجام، إضافةً إلى الدراسة المُسبقّة بالفكرة وتنوعها والقدرة علىٰ إبقائها أثناء الأداء الفني الذي قد يجر الفنان إلىٰ ما لم يفكر فيه قبل الأداء، وهذا ما يحدث كثيراً إلا إن القدرة على الإبقاء ولو علىٰ جزئيات الفكرة الأصل من الفوارق بين الفنانين وهوياتهم الفنية وهذا ما يحدد أسلوب الفنان وهويته الأمر الذي يجعل (ضياء حسن) قادراً على حصر مخيلته الفنية باتجاه إيضاح هويته.
إن ضياء حسن جاد في جعل الخطوط المنفردة العنصر اللاعب في تكوين فضاءات ضمنية فوق البناء المعماري للأشكال، فمرة تكون أشكالاً تراكبية وأخرىٰ تحدد الأشكال الأصل، هذا التلاعب أضفىٰ مرونة وطواعية عالية للمساحات اللونية الهندسية للتنافذ بين السطوح المركبة.
إن هذه الرؤية جعلت من ذلك الرُكام المجرد من الأشكال، ذا روحية حية وكأنها تنمو وتتفاعل وتترقىٰ نحو فضاءات متعالية، ولعل ما يؤكد هذه الفكرة هو وجود الخطوط المعترضة والقوسية وكأن (قوس الصعود) في أعماله يتشكل بصيغٍ مُختلفة هدفه الوصول الى فكرة العوالم قبل عالم الدُنيا، هذا الإلحاح في نمو الثيمة الصورية رُبما يكون ذا منشأ فطري باعتبارات كثيرة أيسرها تلك المعرفة الحضورية للمفاهيم، فإن قيل أن ذلك متيسرٌ لأي من الفنانين، أقول: نعم.. كما أن العقل وأفعاله متيسرٌ لكل البشر إلا أن لكل فردٍ توجهاته وفهمه، الأمر الذي أمكن تسخيره لإعطاء الطابع المجرد للصورة.
إن التمكن من قراءة الفكرة المتخيلة كرموز مع مجردات الشكل في اللغة ومصاديقها في الكلمة المرسومة جعلت من هذا الفنان صانعاً لتعالق وظيفي وجمالي بين الأشكال والخطوط والألوان مع مفهوم الكلمة ورسمها ومعناها، لذلك كان مسار الخط العربي للكلمة حضوره الواضح في تكوين مساحة صورية مقروءة لفظاً ورمزاً، هذا التناغم صنع تنافذاً بين المبنىٰ والمعنىٰ، إذ المتلقي في تخيلٍ وارد لما تحمله اللوحة من قراءات متعددة تثير اللحظات الجمالية الحرة لديه، وبالتالي فإن قراءة مثل هذه الصورة تجعل هوية الصانع أسبق من اسمه فهويته عين لوحته وإن المخيلة رحم تلك الهوية.



