ذكرى استشهاد النبي “ص”.. من التأسي إلى النهضة

تمثل ذكرى استشهاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مَصاباً عظيماً في وجدان المسلمين، لما يعنيه رحيله من فقد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، ومن انقطاع ذلك الحضور النبوي الذي كان يملأ حياة الأمة بالهداية والرحمة والحكمة. وقد عبّر الإمام الباقر (عليه السلام) عن هول تلك اللحظة بقوله: «لما قُبض رسول الله بات آل محمد بأطول ليلة حتى ظنوا أن لا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم». فلم يكن الرحيل حدثاً عادياً يمكن استيعابه بسهولة، بل كان منعطفاً عميقاً وضع الأمة أمام مسؤولية حفظ الرسالة واستمرارها.
وعلى الرغم من عظمة المصاب، فقد ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) للأمة منهجاً تستطيع به أن تبني الإنسان وتصلح المجتمع وتؤسس للعدل وتنطلق نحو النهضة. فالأنبياء لا ينتهي حضورهم برحيلهم، وإنما يستمرون بما زرعوه من قيم، وما أسسوه من وعي، وما قدموه من نماذج عملية قادرة على تجديد حياة الإنسان في كل زمان.
ومن هنا تصبح ذكرى استشهاد رسول الله فرصة لإعادة اكتشاف القوة التحويلية في سيرته. فقد استطاع، في مدة قصيرة، أن ينقل مجتمعاً ممزقاً بالعصبيات، مثقلاً بالجهل والخوف والتفاوت، إلى أمة تحمل رسالة وتبني حضارة. ولم يبدأ هذا التحول من امتلاك القوة أو الثروة، بل بدأ من الإنسان، من عقله وضميره وإرادته، ثم امتد إلى العلاقات الاجتماعية، وبعد ذلك تحول إلى نظام يحفظ الحقوق ويقيم العدل وينظم المسؤوليات.
فكيف نستثمر هذه المناسبة في معرفة النبي والتأسي به؟ وكيف يتحول التأسي من سلوك فردي إلى طاقة اجتماعية، ثم إلى مشروع نهضوي يعيد للأمة وعيها وفاعليتها الحضارية؟
من إحياء الذكرى إلى إحياء المنهج
ان الاحتفاء بالأنبياء والأئمة (عليهم السلام) هو تعبير عن عودة واعية إلى علومهم ومواقفهم وأخلاقهم، ومحاولة لفهم الطريقة التي صنعوا بها الإنسان وواجهوا بها تحديات عصرهم. فالذكرى الحقيقية هي التي توقظ الوعي وتدفع إلى المراجعة وتفتح أمام الإنسان طريقاً جديداً للعمل.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الحزن على رسول الله أو من قيمة المجالس والشعائر التي تحفظ حضوره في الوجدان، بل يعني إكمالها بالغاية التي من أجلها جاء النبي وبذل عمره في الدعوة والهداية. فالعاطفة الصادقة تفتح القلب أمام التأسي، لكنها تحتاج إلى معرفة تحوّلها من انفعال مؤقت إلى التزام دائم. وكلما ازداد الإنسان معرفة بسيرة النبي، أصبح أكثر قدرة على فهم معنى الانتماء إليه.
إن محبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليست شعوراً منفصلاً عن الفكر والعمل، بل هي ثمرة وعي بشخصيته ورسالته، وامتداد للطريق الذي سار فيه. ولذلك ربط القرآن الكريم بين الإيمان بالنبي والاقتداء به، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾. فالأسوة تعني أن يصبح النبي نموذجاً حياً في طريقة التفكير والعمل والتعامل مع الناس، لا شخصية بعيدة نستحضر عظمتها من دون أن نقترب من منهجها.
معرفة النبي مدخل التأسي
لا يمكن التأسي برسول الله من دون معرفة عميقة بسيرته. وليس المقصود مجرد معرفة الوقائع والأحداث، بل اكتشاف القوانين التي قامت عليها حركته: كيف بنى الإنسان؟ وكيف تعامل مع المخالفين؟ وكيف حوّل الأفراد المتفرقين إلى أمة؟ وكيف أقام مجتمعاً جديداً يقوم على الأخُوَّة والرحمة والشورى والعدل؟
إن تأريخ رسول الله هو تجربة إنسانية وحضارية تزخر بالبصائر والدروس. وقد نجح النبي في إحداث تحول عميق، مع أنه بدأ وحيداً إلا مع عدد قليل من المؤمنين، ولم تكن لديه الأموال أو الجيوش أو المؤسسات التي تمتلكها الدول الكبرى. ومع ذلك استطاع أن يوقظ العقل، ويحرر الإرادة، ويبني الثقة، ويزرع الأمل، ويجمع الناس حول قيم قادرة على تجاوز حدود القبيلة والمصلحة الضيقة.
ولذلك فإن دراسة السيرة النبوية ينبغي أن تكون قراءة في أسباب النجاح، لا مجرد استعادة لتسلسل الأحداث. فالسؤال المهم ليس ماذا حدث فقط، بل كيف حدث؟ وما الذي جعل الإنسان الذي عاش في بيئة الجاهلية يتحول إلى إنسان يحمل رسالة ويتحمل المسؤولية ويُضحي من أجل القيم؟ وما الذي جعل مجتمعاً يعيش الصراع القبلي يتحول إلى مجتمع تقوم علاقاته على الأخوة والتكافل؟
التحول النبوي يبدأ من داخل الإنسان
بدأ رسول الله مشروعه ببناء الإنسان، لأن الإنسان هو نقطة الانطلاق في كل نهضة. فلا يمكن إقامة مجتمع صالح بأفراد مهزومين من الداخل، ولا يمكن بناء دولة عادلة إذا كانت النفوس أسيرة الجشع والخوف والعصبية. لذلك توجه الخطاب النبوي إلى العقل والضمير والإرادة، وعمل على تحرير الإنسان من العبوديات التي تمنعه من اكتشاف كرامته ومسؤوليته.



