اراء

هل يمكن التفاهم بين واشنطن وطهران؟

بقلم: غسان ملحم..

لا يبدو طريق العودة إلى مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران سالكاً على الإطلاق، أقلّه حتى حينه، وصولا الى إجراء الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية تباعًا في تشرين الأول وتشرين الثاني المقبلين من العام الجاري. هناك صعوبة بالركون مجددًا إلى هذه الوثيقة، والصيغة ذات الصلة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بين أمريكا وإيران، إن لم تكن استحالة، ولا سيما بالنسبة إلى الجانب الأمريكي، إلى حد استعصاء الحل وانسداد أفقه على المدى المنظور.

لا يزال الموقف الإيراني على حاله حتى تأريخه. وفيه الكثير من الصمود، كما الثبات على الثوابت، إن من جانب قيادة الثورة وحكومة الجمهورية، أو حتى الشعب، الجيش والحرس. وكل إيران صارت أكثر تمسكًا وتشبثًا بحقها ومصلحتها، وأكثر عنادًا بمقارعة ومنازلة الأمريكي والإسرائيلي.

فالإيراني لا يمزح، لا يتساهل، لا يتنازل ولا يتراجع قيد أنملة، حين يتعلق الأمر بالشرف الوطني والكرامة الوطنية، لا المصلحة الوطنية فقط. من هنا، ليس هناك من حلول بالقوة لدى أمريكا على حساب إيران، ما دامت طهران تواجه واشنطن، وتستمر بالمواجهة.

ولا يزال الموقف الأمريكي أيضًا على حاله، مع الرئيس دونالد ترامب، وربما حتى انتهاء ولايته أو عهدته الرئاسية. فثمة فشل استراتيجي بالنسبة إلى أمريكا في حربها بمنطقة الشرق الأوسط ضد إيران. وثمة مأزق استراتيجي بالتالي وبالتبعية.

لا يمكن واشنطن أن تعود إلى التفاهم ومذكرته؛ وهي لا تستطيع تحمّل كلفته السياسية، لأنه بمنزلة إقرار واعتراف بالخسارة، كما الإخفاق والفشل على الأقل وبالحد الأدنى. وهي لا تجد، أو لم تجد بعد، السبيل للخروج من هذا المأزق من بعد هذا الفشل. فكيف لها أن تتصرف في هذه اللحظة وفي هذا التوقيت وضمن هذا السياق؟ إن هذا السؤال يفرض نفسه الآن.

أما الموقف الإسرائيلي، فهو على حاله، لا سيما موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومعه أيضًا اليمين المتطرف، القومي والديني، في الكيان الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية. هو يريد الاستمرار بالتصعيد، ويراهن عليه، إما بقصد الفوز بالانتخابات، أو بنية تعطيل وتطييرها، كما أنه يدفع باتجاه منع التفاهم أو التقارب أو التقاطع بين الأمريكيين والإيرانيين. فيبقى الدور الإسرائيلي بتخريب الجهود السياسية والمبادرات الدبلوماسية، كما بممارسة الضغوط وارتكاب الجرائم حتى إشعار آخر.

ربما لا يبدو احتمال التفاهم، أو بالأحرى لنقل احتمال العودة إلى التفاهم بين الجانبين الأمريكي والإيراني من جديد، واردًا من الناحية المنطقية، ولا حتى مطروحًا من الناحية العملية. فكل المعطيات والمؤشرات والحيثيات لا تفيد أن الوقت هو للتفاهم، ولا التقارب، ولا حتى التقاطع الموضوعي، بمعنى التقاطع لأسباب موضوعية، بين الأمريكي والإيراني. ما يعني أن استبعاد هذا الاحتمال ممكن، ولا نقول إسقاطه بالكامل من الحسابات والتقديرات.

أما احتمال عدم التفاهم مع عدم التصعيد بين واشنطن وطهران، فهو قائم ووارد. هو غير مستبعد. وقد أشرنا سابقًا إلى أن الإعلان عن التوصل إلى مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران، لدى توقيعها من قبل الرئيسين الأمريكي والإيراني، لا يعني، بالضرورة وبالتبعية، الانتقال، بطريقة أوتوماتيكية، إلى حيّز الحل الشامل والصيغة النهائية له. فثمة مسائل عالقة بين الطرفين، وربما لا تكون حلولها بمتناول اليد، لأسباب ذاتية وموضوعية على حد سواء.

وكذلك، فإن احتمال عدم التفاهم مع التصعيد، والمقصود احتمال العودة إلى التصعيد على نطاق واسع وبشكل كبير، هو مرجح أو متقدم. وهناك تسريبات وتلميحات وتحذيرات تفيد بأن هذا النمط من التصعيد الواسع والكبير عائد، أو ربما واقع في الفترة القادمة، أي قبيل موعدي الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية. هنا يتجدد النقاش حول جدوى ومدى فاعلية الرهان مجددًا على مثل هذا الخيار، الذي يعود إلى الواجهة مع استعصاء الخروج من المأزق وانسداد أفق الحل، ومن دون تبني فرضية حتمية التصعيد العسكري والأمني لا محالة.

كما أن احتمال الذهاب أيضًا إلى جولة جديدة ومتجددة من العنف ليس بعيدًا، بل هو واقعي ومنطقي، من حيث مبررات ومسوغات التفكير بجدية هذا الاحتمال، من دون أن يعني ذلك الذهاب إلى الاحتمالية الواردة أعلاه، في إشارة إلى التصعيد الواسع والكبير؛ والمقصود هنا هو شيء من قبيل ما كان يحصل، ولا يزال حتى حينه، أي تبادل تسديد الضربات العسكرية والأمنية، بطريقة مدروسة ومحسوبة، وكذلك أيضًا ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية، من دون أن يؤدي ذلك إلى الانفجار الكبير في الإقليم، مع العلم أن هذا الخيار أو الرهان عليه لا يخلو من المخاطرة والمغامرة.

على أي حال، سوف يدرك جميع المعنيين من الفاعلين الدوليين والإقليميين، لا سيما تلك القوى المنخرطة أو الضالعة بطريقة أو بأخرى في هذا الاشتباك المركب والمعقد عبثية استمرار حالة الحرب في الشرق الأوسط بين أمريكا وإيران، وليس فقط بين إيران و”إسرائيل”. لن تؤدي هذه الحرب -في حال استمرارها- سوى إلى المزيد من الدمار والخراب. وهي لم تؤدِ سوى إلى ذلك طيلة الفترة السابقة، رغم كل هذه القوة المفرطة، ولم تؤدِ بعد إلى إنجاز المقاصد وإحراز الأهداف. هكذا تكون عبثية هذه الحرب، وتزداد عبثيتها مع الوقت، بصرف النظر عن المكابرة والمعاندة، بدلًا من الواقعية السياسية.

لا تبدو الأمور بعد أنها ذاهبة باتجاه الحل أو الحلحلة. هي لا تزال عالقة. وقد تكون هذه المرحلة قبل الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية هي الأكثر دقة وحراجة. فالمصير السياسي لكل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب على المحك. الأول لا يريد أن ينهي حياته السياسية؛ والثاني لا يريد أن يتحمل عبء الإخفاق والفشل والمأزق. فهل تشتعل الجبهات لتعيد خلط الأوراق، في لعبة الحسابات المفتوحة، وفي زمن التحولات الكبرى؟.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى