اخر الأخباراوراق المراقب

المذهب الكلامي في خطابات الإمام الحسين (ع)

د. خالد عبد النبي عيدان الأسدي..

تمثل خطابات الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)، ولا سيما في رحلته من المدينة المنورة إلى كربلاء، إرثًا فكريًا وأدبيًا ضخمًا لا ينضُبُ. ولم تكن هذه الخطابات مجرد نداءات حماسية أو مواعظ عابرة، بل كانت تؤسس لمنظومة فكرية متكاملة تدمج بين عقيدة التوحيد والعدل في الجانب الكلامي، وأعلى مستويات البيان والتأثير والوعظ في الجانب البلاغي.

والمذهب الكلامي من المفاهيم البلاغية البديعية التي أصابها الخمول بسبب قلة البحث فيها، على الرغم من أن موضوعه ينماز بالرقة والإبداع والبيان العقدي. فيُعرف “المذهب الكلامي” في البلاغة عند المتقدمين، كالجاحظ والسكاكي، بأنه سوق الحجة على طريقة أهل الكلام لمخاطبة العقل وإفحام الخصم، فهو يعتمد على الاحتجاج وبيان الحق بالبرهان الإنّي أو اللمّي، وكثير من هذه الديالكتيكية تنتهي بالخصومة ودون جدوى.

 لكنه عند الإمام الحسين (عليه السلام) يتجاوز الجدل الجاف ليتماهى مع الجمال البلاغي المؤثر في الوجدان. فلذا يسعى هذا المقال إلى تفكيك الخطاب الحسيني لمعرفة كيف تحولت العقيدة والتوحيد إلى أدوات بلاغية حركية فعالة، تعمل على تحريك الهمة وشحذ الفطرة السليمة للركون إلى الحق والقبول بما ينسجم مع صبغة الله التي فطر الناس عليها والإنسانية في المجتمع. وهنا نبيّن مدى تطابق المفاهيم مع مصاديقها في الخطاب الحسيني عبر الآتي:

انطلقت خطابات الإمام الحسين (عليه السلام) من قواعد عقائدية راسخة، تمثلت في إبراز مشيئة الله، وعدله، وإمامة أهل البيت، وتعرية الفكر الأموي الفاسد، الذي كان يروج للجبر السياسي والقبول بما يريده النظام المتسلط الجائر. ومن هذه المرتكزات:

أولًا: نفي الجبر وتأكيد العدل الإلهي: حاول الفكر الأموي تبرير شرعيته بنوع من “الجبر”، زاعمًا أن خلافة يزيد هي “قدر الله” الذي لا مرد له، فجاء خطاب الإمام الحسين (عليه السلام) ليفكك هذا المفهوم الكلامي الخطير، مؤكدًا أن الحتمية والقدر لا يبرران الظلم. فيقول (عليه السلام) في خطبته الشهيرة، متمثلًا بآيات التوحيد: “خُطَّ الموتُ على وِلْدِ آدمَ مَخَطَّ القِلادةِ على جيد الفتاةِ… رضا اللهِ رضانا أهلَ البيتِ، نصبرُ على بلائهِ ويوفينا أجورَ الصابرينَ”. وهنا يربط بين الرضا العقائدي بـ”القضاء والقدر الحتمي”، الموت، وبين المسؤولية الإنسانية في مواجهة البغي؛ لأن الخضوع والخنوع من صفات العبيد، والله أراد من الإنسان أن يكون حرًا، فدعا الإمام الحسين (عليه السلام) الناس إلى نبذ العبودية والتحرر من براثن الظلم والجور.

ثانيًا: الاستدلال بالحجية والولاية: في حواره مع جيش الحر بن يزيد الرياحي، أقام الإمام الحسين (عليه السلام) حجة كلامية تقوم على إثبات القيادة الشرعية: “أيها الناس، إنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم”. هذا البناء يقوم على مقدمتين ونتيجة كلامية فقهية قطعية؛ الأولى: هي التنبيه على تقوى الله تعالى والرجوع إليه بعد أن تشتت الأهواء وأخذت الفرق العقدية مأخذها من المجتمع المسلم، والثانية: جلاء العمى عن البصيرة بالحجة القولية، وهي مقدمة قبلية تسبق المطالبة بالحق الذي دُفع عن أهله. وبعد ذلك ساق الإمام حجته بأسبقيته بالحق على الطلقاء وأبناء الطلقاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى