مهمة إعمار المناطق المحررة
مَعَ تباشيرِ النصر الَّتِي لوحت بها سواعد رجَال قواتنا الأمنية وَحَشدنا المُقَاوَم فَي مَعْرَكَةِ الموصل، وَقرب الإعلانِ الرسمي عَنْ تحريرِ كامل أراضينا الوَطَنيّة مِنْ دَّنَسِ عصابات (داعش) الإِرْهَابية، تبرز مَسْأَلَة إعمار المَنَاطق المُحَرَّرة إلى وَاجهةِ الأحداث وَالتحديات في ظِلِّ تباين مواقف القوى الفاعلة فِي المشهدِ السِّياسِيِّ العراقيّ حَوْلَ آلية إدارة المدن المُحَرَّرة جراء تأثرها بالتطوراتِ الساخنة الَّتِي تشهدها الساحتان الإقْلِيمِيَّة وَالدُوَليَّة، فضلاً عَنْ مُشْكِلةِ الدمارِ الكبير الَّذِي لحق بالبَنِيَّةِ التَّحْتِيَّة لبعض مناطق البلاد نتيجة وقوعها فِي المدةِ الماضية تحت براثن العصابات الإِرْهَابية.
لا رَيْبَ أَنَّ مُهِمّةَ إعمار المَنَاطق المُحَرَّرة، لن تكون غاية سهلة التحقق، إذ أنَّها بحسبِ معطيات الوَاقع الحالي تَبْدُو مُهِمّة عسيرة؛ لتزايدِ الضغوط عَلَى الحُكُومةِ العراقيّة فِي مجالِ الانفاق المَالِي، عَلَى الرغمِ مِنْ استمرار تداعياتِ مُشْكِلة انخفاض أسعار النفط فِي الأسواقِ العَالميَة وَتراجع صادرات النفط العراقيّة بفعل خروج بعض الحقول النفطية المنتجة عَنْ سُّلطةَ الدَّوْلَة المَرْكَزيَّة، فضلاً عَنْ تواضعِ وَرُبَّما انحسار نسبة مُسَاهَمَة القِطاعات الاقْتِصَادِيَة الأخرى فِي تكوينِ الناتج المَحَلّيّ الإجمالي، تعبيراً عَنْ مضي القيادات الإداريَّة قدماً بالركونِ إلى نهجِ الاقْتِصَادِ الريعي، وَالَّذِي ما يَزال يشكل عبئاً عَلَى الاقْتِصَادِ الوَطَنِيّ، بوصفِه المصدر الأساس أَنْ لَمْ يكن الوحيد فِي تمويلِ عمليةِ التَّنْمِيَة الاقْتِصَادِيَة وَالاجْتِماعِيَّة. وَيضاف إلى ذلك كثرةِ أعداد النازحين، وَضعف المساعدات الدُوَليَّة المفترضة لمواجهةِ مثل هَذِهِ الحالاتِ الإنسانيَّة، وَالَّتِي تقتضي مُسَاهَمَة أطراف دُوَليَّة فاعلة فِي تمويلِ عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار، وَعدم اقتصارها عَلَى الجهدِ المتواضعِ للمُنَظَّمَاتِ الأُمَميَّة.
مِنْ المؤكدِ أَنَّ القراءةَ الواعية وَالمتأنية لثنايا التجربةِ العراقيّة فِي مجالِ الإِعْمَارِ وَالبناء خلال الأعوام الماضية، تفضي إلى تزويدِ العاملين فِي مجالِ إدارةِ ملف الإِعْمَار وَالتَّخْطِيط لإعادة بناء المَنَاطق المُحَرَّرة بمعلوماتٍ وبيانات تفصيلية، لأجلِ توسيع معارف الكوادر الفَنِّيَّة والإداريَّة حول طبيعة المُشْكِلات الَّتِي عصفت بإِنْتَاجيةِ هَذَا القِطاع المهم، ما يعني إمكانية المساهمة فِي ولوجِ هَذِهِ المَعْرَكَة بثقةٍ عالية وَالسير باقتدارٍ فِي حالِ اِسْتِغلالِ مخرجات المتاح مِنْ الدراساتِ وَتوظيفها فِي دعمِ المسارات الإجرائية وَالتنفيذية الخاصَّةِ بملفِ الإِعْمَارِ وَإعادة البناء بقصدِ ضمانِ تحقيق الأهداف الَّتِي تعكس تواصل المسيرة الوَطَنيّة الرامية إلى تأمينِ متطلبات نهضة البلاد والارتقاء بإِنْتَاجية قِطاعاتها المُخْتَلِفَة.
لعلَّ مِنْ بَيْنِ أبرزِ المعوقاتِ الَّتِي كان لها أثر مباشر فِي تدني مستوى إنجاز مَشْروعات إِعْمَارِ بنى البلاد الارتكازية، وَتواضع كفاءة الأَدَاء هو مُسَاهَمَة الكثير مِنْ وزاراتِ الدَّوْلَة ومُؤَسَّساتها فِي الإضرارِ بالاقْتِصادِ العرَاقيّ مِنْ خلالِ تعاقدها مَعَ شركاتٍ غير معروفة، وليست لديها خبرة كافية تؤهلها لإنجازِ مَشْروعات تعيد إلى البلادِ بَنِيَّتها التَّحْتِيَّة المتهرئة الأوصال، الأمر الَّذِي حفز أغلبها عَلَى المتاجرة بالمناقصاتِ المحالة إليها بأسلوبِ التعاقد بالباطنِ بفعلِ غيابِ عنصر المتابعة وَاضمحلال دور الأنْشِطَة الرقابية الَّتِي مِنْ شأنِها تأشيرِ الانحرافات فِي العمل، وَمتابعة إجراءات تصحيح مساراته. وَهو الأمر الَّذِي أفضى إلى التلكؤ فِي تنفيذِ الكثير مِنْ مَشْروعاتِ البلاد، وَلاسيَّما المعنية بمَوْضُوعِ الخدمات البَلَديَّة وَالاجْتِماعِيَّة أو الَّتِي يشار إليها باسْمِ الاستراتيجية.
فِي أمانِ الله.
لطيف عبد سالم العگيلي



