اراء

تشييع الإمام الخامنئي ليس جنازة بل إعادة تثبيت شرعية الحكم وتأكيد تماسك القيادة الجديدة

بقلم: د. رلى الفرا..

يقع الكثيرون في فخ النظر إلى تشييع القادة التأريخيين بوصفه حدثاً عاطفياً أو دينياً أو بروتوكولياً، لكن القراءة السياسية العميقة تكشف أن هذه المناسبات تؤدي وظيفة مختلفة تماماً. ففي كثير من الأحيان لا تكون الجنازة خاتمة لمرحلة، بل تكون بداية لعملية واسعة تهدف إلى إعادة بناء النظام السياسي وإعادة إنتاج شرعيته بعد فقدان عقدته المركزية.

إن وفاة القائد الأعلى تمثل، في أي نظام سياسي، واحدة من أعنف الصدمات التي يمكن أن تتعرض لها الشبكة الحاكمة. فالقائد لا يشغل منصباً دستورياً فحسب، بل يؤدي وظائف متداخلة تتجاوز اتخاذ القرار إلى إنتاج المعنى، وصياغة الهوية، وإدارة التوازنات بين مراكز القوة، وضبط إيقاع العلاقات الداخلية والخارجية، لذلك فإن غيابه يخلق فراغاً إدراكياً قبل أن يخلق فراغاً تنظيمياً.

لكن التجربة التأريخية تكشف أن الشبكات السياسية الكبرى لا تستجيب لهذا النوع من الصدمات بالانهيار الفوري كما تفترض بعض التصورات التقليدية، وكما افترض ترامب ونتنياهو في حربهما الأخيرة على إيران، وإنما تدخل في عملية تكيف معقدة تسعى من خلالها إلى إعادة تثبيت نفسها وإقناع أعضائها وخصومها معاً بأن فقدان العقدة المركزية لا يعني انهيار الشبكة بأكملها.

ومن هذا المنطلق يمكن قراءة مراسم تشييع المرشد الإيراني علي الخامنئي بوصفها نموذجاً واضحاً لعملية إعادة التثبيت الشبكي، لا باعتبارها مجرد مراسم وداع لقائد سياسي.

فالحدث، في مستواه الظاهر، كان تشييعاً شعبياً ورسمياً، لكنه في مستواه الأعمق كان عملية سياسية وإدراكية متكاملة هدفت إلى تحقيق جملة من الأهداف في وقت واحد.

أول هذه الأهداف هو منع تشكل إدراك بوجود فراغ في السلطة. لذلك حرص النظام الإيراني على أن يظهر أن انتقال القيادة كان سريعاً ومنظماً، وأن مؤسسات الدولة تعمل بصورة طبيعية، وأن القيادة الجديدة بقيت محاطة بصورة متماسكة من كبار المسؤولين والعسكريين والرموز الدينية. فالرسالة الأساسية هنا ليست أن قائداً جديداً هو مجتبى الخامنئي قد تولى المسؤولية فحسب، وإنما أن الدولة نفسها لم تتعرض للاهتزاز.

أما الهدف الثاني فيتمثل في إعادة إنتاج الشرعية السياسية والدينية، فالحشود الجماهيرية، والخطابات، والرموز الدينية، والتغطية الإعلامية، ليست عناصر منفصلة، بل أدوات متكاملة لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي، إذ يجري تحويل حدث الوفاة من لحظة ضعف إلى لحظة تعبئة، ومن مناسبة للحزن إلى مناسبة لتعزيز الهوية المشتركة وإعادة التأكيد على استمرار المشروع السياسي، لا سيما في ظل القناعة التي شكلها البعض داخل مؤسسات صناع القرار الإسرائيلية والأمريكية بأن النظام الايراني ضعيف ومكروه، وأن الشعب يتمنى سقوطه، بدلالة التظاهرات الشعبية التي خرجت في السنوات الأخيرة لدوافع حقوقية أو اقتصادية، وهو ما عبر عنه ترامب بالأمس حين قال: “ذهلت حين رأيت الناس يبكون في جنازة الخامنئي، كنت أظن أنهم يكرهونه”.

إن مرور الجنازة بأربع مدن رئيسة، ليس عشوائيا، بل هو رسالة منسقة، فطهران هي مركز الدولة السياسي والعسكري والاقتصادي، وقم هي مركز الحوزة العلمية، والنجف وكربلاء هما مركز الرمزية الشيعية العابرة للحدود الجغرافية، وأخيرا، فإن الدفن في مشهد بما لها من أثر عميق في الذاكرة الإيرانية الجمعية يعكس محاولة الجمع بين شرعية الدولة وشرعية المؤسسة الدينية والرمزية التأريخية في مشهد واحد.

ويبرز الهدف الثالث في إعادة توزيع الوظائف داخل شبكة القرار. فالقائد الراحل يكون عادة قد جمع بين وظائف متعددة يصعب أن تنتقل جميعها إلى شخص واحد، لذلك تبدأ عملية إعادة توزيع هذه الوظائف على عدد من المؤسسات والقيادات، بما يسمح للشبكة الاستمرار من دون الاعتماد الكامل على عقدة واحدة. وهنا لا تعود القضية مرتبطة باستبدال شخص بشخص، وإنما بإعادة هندسة العلاقات بين مختلف العقد داخل الشبكة.

أما الهدف الرابع فيتضمن رسائل موجهة إلى الخارج لا تقل أهمية عن رسائل التشييع الداخلية، على رأسها التماسك المؤسسي بعد انتقال القيادة، فالأنظمة السياسية تدرك أن الخصوم يراقبون لحظات الانتقال بدقة بحثاً عن مؤشرات الانقسام أو الضعف أو فقدان السيطرة. ولهذا تتحول الجنازات الكبرى إلى استعراض للتماسك المؤسسي، وإلى إعلان بأن قدرة الدولة على اتخاذ القرار لم تتأثر، وأن مؤسساتها ما تزال تعمل بصورة منسقة.

وقد ظهر هذا بجلاء في مراسم التشييع الحاشدة والمنضبطة والمنسقة طيلة أربعة أيام، وما ألقي من كلمات، ومن ألقاها ومتى وكيف، وترتيب القيادات في الصفوف الأولى، فقد جاءت جميعها رسائل لإفشال الرهان على أي انقسام بين الحرس الثوري والحكومة والجيش ومجلس الخبراء والبرلمان والمؤسسة الدينية، وباقي مؤسسات صنع القرار داخل إيران، ونجحت رسائل النظام في إظهار البعد المؤسسي وغياب الفراغ أو الصراعات الداخلية.

وأخيرا، فإن الطقوس السياسية ليست مجرد ممارسات رمزية، وإنما أدوات تكيف شبكي عميقة، فهي تعيد إنتاج الثقة، وتمنح الفاعلين تفسيراً موحداً للأحداث، وتربط بين الماضي والحاضر والمستقبل في سردية واحدة، بما يقلل من حالة عدم اليقين التي تنشأ عقب الصدمات الكبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى