في حضرة وداع الإمام.. “قوموا لله”

ليلى عماشا..
بين عاشوراء والأربعينية حيث يتكثّف لون الحداد ويفيض نورًا في صدورِ أهل الحقّ والثورة، بدأت مراسم تشييع الإمام القائد الشهيد السيّد عليّ الحسينيّ الخامنئيّ، ومعها بدأت القلوب الملهوفة تسري نحو النّعش، من كلّ جهات الأرض، تُهرع إليه، للقائه ووداعه في آن، قل للقاء كلّ أجداده فيه، ولوداع كلّ الشهداء فيه.
قديمًا قيل في توصيف العظماء “رجل في أمّة” أو “قائد أمميّ”، وقيل “بطل أسطوريّ” أو “زعيم لا يتكرّر”، لكنّ كلّ التوصيفات تبدو قليلة في وصف رجل احتشدت فيه أرقى وأنقى وأنبل وأبقى سِمات القادة وأوصاف الأئمة، رجل جمع بين كفّيه طهر كلّ الزاهدين إذا اجتمعوا، وبيمناه الجريحة قوّة عسكر الحقّ الذي لا يهاب في الدنيا أيّ قوّة. رجل ذهب في صدق قول “هيهات منّا الذلّة” حتى صارت أنفاسه كلّها ثورة، وحياته كلّها، بكلّ تفاصيل الزهد فيها، شهادة مضى إلى خاتمتها حرًّا كجدّه الحسين، لينتصر بدمه على سيف الاستكبار، ويُنجي الإسلام بنحره، وأهل الأرض.
بدأت المراسم، والشهداء أوّل الحاضرين..
بعين القلب نراهم وهم يحضرون قوافل متواصلة منذ أن أحيا الإمام الخمينيّ (قدس) الإسلام وسلّم الإمام الخامنئيّ الراية وغفا مطمئنًا، بل منذ أن صرخ الحسين (ع) في الطفّ “ألا من ناصر؟!”.. نراهم وهم يتحلّقون حول شمس النعش، ويتحضرون لرفعه على أكفّهم النورانية كي يحلّقوا به إلى النجف، إلى مقام جدّه أمير المؤمنين الإمام عليّ (ع)، ثمّ إلى كربلاء الحسين (ع) والعباس (ع) قبل أن يعودوا إلى مشهد، حيث يوارى الجسد الطاهر في الثرى عند جدّه ومولاه الإمام علي الرّضا (ع). من بين الحضور الذي بالرّوح يُرى، توسّط الحاج قاسم سليمانيّ رفيقَي الدرب والثورة، سيد شهداء الأمة السيّد حسن نصر الله والحاج عماد مغنية، وكلّ شهداء معركة الحقّ.
خلف قوافل الشهداء تسري عوائلهم، تلك العوائل التي طالما خصّها الإمام القائد بفيوض محبّته واهتمامه، والتي حرص على استقبالها من كلّ البلاد، ومواساتها وتكريمها في كلّ مناسبة. ترى فيها الأطفال وهم يتذوّقون مرارة اليتم للمرّة الثانية، والأمهات والزوجات والأخوات يقفن بصبر بهيّ وقلوب منكسرة أمام هول الشعور بالثكلِ مرّة بعد.
ثمّ ترى جميع أحرار العالم وكأنّهم قد اجتمعوا في حضرة الوداع. حضرة جمعت كلّ الأجناس والقوميات والثقافات والأديان والمذاهب في لحظة تأريخية، وألقت على جميعهم السلام.
العِمّة الثورية الموضوعة فوق النّعش الطّاهر تحكي عمرًا أفناه إمام الشهداء في صناعة النموذج الحيدريّ الحسينيّ في هذا الزمان، فغلب كلّ نماذج الاستكبار التي عصرًا بعد عصر، ويزيدًا بعد يزيد، تحاول طمس الحقّ وفطرة الإنسان وروح الثورة، تحكي عن رجل عاش لله، وقام لله، واستشهد لله، تحكي عن حياة بلغت في مقامات الزّهد أنبلها وأجملها فترفّعت لا عن التّرف والرفاهيات وحسب، بل عن أبسط ما قد يربط الإنسان بالدنيا وكلّ ما فيها، عِمّة تحدّث من يلامسها بعينيه عن القائد الذي احترف قول “لا” حتى ركّع الأعداء وانتصر على سيفهم بدمه، والذي كرّس حقّ الإنسان بألّا يُحني رأسه إلّا لله، والذي أثبتَ أنّ العزّة تصنع القوّة وأنّ الخضوع مقبرة الأمم. عِمّة سوداء جليلة تتعلّق بها قلوب كلّ الذين استضعفوا في الأرض، وتعرف أنّها منّة من الله وُهبت لنصرتهم والدفاع عن حقوقهم ومساندتهم كلّما مسّهم الباطل بضرّ أو بأذى.
في لبنان، حيث للإمام قلوب منذ فجر استشهاده ما غفت، تحاصرها من كلّ الجهات الدموع، وتحرقها على مرّ الساعات جمرات الفقد، كانت لحظات بدء المراسم أشبه بأذان أن حيّ على الوداع، حيّ على البكاء، حيّ على الحزن الثوريّ المعظّم، قوموا لله. ملامح الوجع طغت في وجوه الصابرين المقاتلين، أهل المقاومة والثورة. ففي وداع الإمام سيّلوا كلّ أحزانهم، وحرّروا الآهات الحبيسة من كلّ جراح الفقد التي تحزّ أرواحهم، فهم يرون فيه كلّ الشهداء، ويودّعون معه كلّ فلذات قلوبهم الذين ارتقوا في معركة الحقّ ضدّ الباطل.
من لم يُوفّق للسّفر إلى إيران أو إلى العراق لحضور المراسم والمشاركة في التشييع، يتابع عبر الشاشات لحظة بلحظة مشهد الوداع، ويلامس النّعش المبارك بعينيه وقلبه، يبلغه السلام والولاء، ويعاهده على الثبات على نهجه الحسينيّ.
في كلّ العالم، يودّع الأحرار إمامهم ويتابعون بلهفة كلّ تفاصيل المراسم التي يجري تنظيمها بعناية مشهودة، تليق بمقام من اجتمع عليه كلّ أهل الباطل في هذا الزمان، فقام لله، وانتصر!.



