اراء

ترامب.. والسيطرة على المضائق والممرات المائية الدولية

وكالة الميادين..

منذ الأيام الأولى للحرب التي شنّتها الولايات المتحدة و”إسرائيل” على إيران في نهاية شهر شباط الماضي، كان واضحاً أنّ لدى واشنطن رغبة في السيطرة على مضيق هرمز، إلّا أنّ ما أظهرته طهران من قدرات وإمكانات عسكرية دفاعية جعل تحقيق تلك الرغبة يبدو مستحيلاً، لذلك انتقلت الإدارة الأمريكية من السعي إلى فرض السيطرة المباشرة إلى محاولة إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقاً، غير أنّ طهران رفضت ذلك، وواجهته عسكرياً ودبلوماسياً، وهو ما تؤكّده الاعتداءات الأمريكية الأخيرة والردّ الإيراني السريع عليها.

وليست هذه المرة الأولى التي يعلن فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رغبته في السيطرة على ممرّ مائي استراتيجي على خريطة الملاحة التجارية، إذ سبق أن هدّد بالسيطرة على قناة بنما، ثمّ طالب بالسماح بمرور السفن التجارية والعسكرية الأمريكية مجاناً عبر قناة السويس.

وكان ذلك جزءاً من استراتيجيته التجارية والاقتصادية، التي سعى من خلالها إلى إحكام سيطرة بلاده على حركة التجارة العالمية وثروات الدول النفطية.

فبدأ بفرض الرسوم التجارية، ثمّ انتقل إلى خطف الرئيس الشرعي لفنزويلا والتهديد بالسيطرة على غرينلاند، وصولاً إلى محاولة إحكام القبضة على المضائق والممرات التجارية، سواء عبر التهديد أو من خلال شنّ الحروب.

رئة التجارة العالمية

تتبدّى أهمية المضائق والممرات المائية الدولية، التي يسعى ترامب إلى بسط النفوذ عليها بشكل أو بآخر، في شقّين مترابطين. الأول اقتصادي، ويتمثّل في التحكّم بتدفّقات التجارة وسلاسل التوريد العالمية، وما يترتّب على ذلك من مكاسب اقتصادية واسعة قد تصل إلى حدّ التأثير في القرارات والتوجّهات الاقتصادية للدول.

أما الشقّ الثاني فهو سياديّ، إذ يعزّز مكانة الدول المتحكّمة بهذه المضائق والممرات المائية وحضورها على الساحة الدولية.

وتظهر البيانات الدولية المتاحة، أنّ المضائق والممرات المائية تستحوذ على نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية. ورغم محدودية البيانات المنشورة المتعلّقة بعدد السفن التي ترفع العلم الأمريكي وتعبر هذه المضائق سنوياً، وحجم البضائع التي تنقلها، فإنّ المتاح منها يفسّر اهتمام رجل أعمال يشغل اليوم منصب رئيس الولايات المتحدة بالسعي إلى السيطرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على هذه الممرات الحيوية.

وتكشف البيانات المتاحة، أنّ أكثر من 14 ألف سفينة تعبر قناة بنما سنوياً، فيما تعدّ الولايات المتحدة المستخدم الأكبر للقناة، إذ يمرّ عبرها نحو 40% من إجمالي حركة الحاويات الأمريكية.

وتضيف بيانات أخرى، أنّ موانئ الساحل الشرقي للولايات المتحدة صدّرت خلال عام 2023 نحو 125.6 مليون طن طويل من البضائع عبر قناة بنما، اتجه نحو 64% منها إلى آسيا، كما استوردت نحو 61.1 مليون طن طويل، جاء نحو 68% منها من آسيا. وفي الفترة نفسها، صدّرت موانئ الساحل الغربي نحو ثلاثة ملايين طن طويل، اتجه نحو 76% منها إلى أوروبا، فيما استوردت نحو 6.4 ملايين طن طويل، جاء نحو 49% منها من أوروبا.

أما قناة السويس، فتشير التقديرات الدولية إلى أنّ نحو 12% من التجارة العالمية يمرّ عبرها، بقيمة بضائع تتراوح بين ثلاثة وتسعة مليارات دولار، في حين تمثّل الحاويات العابرة للقناة نحو 30% من إجمالي حركة الحاويات العالمية.

أما مضيق هرمز، وكما بات معروفاً، فيتحكّم بنحو 27% من التجارة البحرية العالمية للنفط الخام والمنتجات البترولية، من خلال عبور أكثر من 30 ألف سفينة سنوياً. وإذا كانت الواردات الأمريكية من النفط والمكثّفات المقبلة من دول الخليج لا تتجاوز 7%، فإنّ صادرات الولايات المتحدة من السلع المصنّعة وغير المصنّعة، فضلاً عن اعتماد معظم دول شرق آسيا المنافسة لها اقتصادياً وصناعياً على نفط الخليج، يمنحان المضيق أهمية استراتيجية تتجاوز مسألة الواردات النفطية المباشرة.

مضيق ملقا، المطلّ على سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا، والذي قلّما يسلّط عليه الضوء رغم أهميته الاستراتيجية التي تفوق، في بعض الجوانب، أهمية مضيق هرمز. فهو يتحكّم أيضاً بما يقارب 30% من التجارة العالمية، بما يعادل نحو 3.5 تريليونات دولار، كما تمرّ عبره كميات من النفط تفوق تلك المنقولة عبر مضيق هرمز.

ومن هنا يمكن فهم الأسباب التي تدفع ترامب إلى التهديد بالسيطرة على بعض الممرات البحرية، التي تمثّل رئة التجارة العالمية، أو المطالبة بمرور السفن الأمريكية عبرها مجاناً.

ولا سيما أنّ حرب الإسناد التي قادتها صنعاء ضدّ العدو الإسرائيلي، وما تضمّنته من إغلاق مضيق باب المندب أمام السفن الإسرائيلية والأمريكية، كشفت عن فاعلية هذا السلاح الاقتصادي. وفي هذا السياق، يمكن تفسير الاعتداءات الأمريكية الأخيرة على طهران بوصفها محاولة لإبطال مفعول هذا السلاح، وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الثامن والعشرين من شباط، والحيلولة دون أيّ دور إيراني في الإشراف على مضيق هرمز.

عدم استقرار وأزمة اقتصادية

بعد مرور عام ونصف العام على شروع ترامب في صياغة سياسات تدخّلية جديدة في شؤون الدول ومصالحها، يمكن حصر نتائجها التي بدأت تتبلور في فئتين رئيستين:

الفئة الأولى تتعلّق بآثارها على الاستقرار والأمن والسلم العالمي. وليس من المبالغة القول: إنّ المرحلة الماضية أعادت العالم سنوات إلى الوراء.

فما فعلته إدارة ترامب في أمريكا الجنوبية، من خطف الرئيس نيكولاس مادورو، وحصار كوبا، وتهديد دول أخرى، هدّد استقرار دول القارة، ومسّ سيادتها، وأثّر في اقتصاداتها. كما أنّ شنّ الحرب على إيران بالتعاون مع “إسرائيل” وضع المنطقة بأسرها على شفا حرب إقليمية كبرى، فيما أتاح دعم ترامب لنتنياهو استمرار حرب الإبادة التي يشنّها حتى اليوم ضدّ أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية.

أما الفئة الثانية فتشمل الآثار الاقتصادية والاجتماعية، وقد تجلّت بوضوح في تداعيات الحرب الأخيرة على إيران، إذ مُني الاقتصاد العالمي بخسائر كبيرة قد يصعب تعويضها في المدى المنظور. فبدلاً من الرخاء والازدهار اللذين وعد بهما ترامب ناخبيه والعالم، تسبّبت سياساته، وفق هذا التقدير، في أكبر أزمة اقتصادية منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. ورغم محاولات إدارته والحكومات الحليفة لها التقليل من حجم الخسائر وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي، فإنّ معظم التقارير الأممية والدولية تتحدّث عن انهيار في منظومة الأمن الغذائي لملايين الأشخاص، وفقدان ملايين آخرين وظائفهم ومصادر دخلهم، فضلاً عن ضياع مكاسب اقتصادية كان من الممكن تحقيقها لو لم تقع الحرب على إيران.

وما دام ترامب يرفض الاعتراف بحجم الخسائر التي خلّفتها الحرب على المنطقة والعالم، فإنّ المخاوف تكمن في احتمال الإقدام على مغامرة جديدة للتغطية على فشل المغامرة السابقة، أو العودة إلى الحرب ضدّ إيران بدفع من اللوبي الصهيوني ونتنياهو، وعندئذ ستكون الخسائر الإقليمية والدولية أكبر وأشدّ قسوة من أيّ وقت مضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى