اخر الأخبارطب وعلوم

تعاون جوي بين روسيا والصين يثير قلق واشنطن وأوروبا

تبادل خبرات وتطوير تقنيات عسكرية

يشهد التعاون الجوي بين روسيا والصين تطورًا متسارعًا في السنوات الأخيرة، في ظل سعي البلدين إلى تعزيز شراكتهما العسكرية والاستراتيجية ومواجهة التحديات الأمنية المتزايدة على الساحة الدولية.

وقد تجاوز هذا التعاون حدود المناورات الجوية المشتركة ليشمل تبادل الخبرات، وتطوير التقنيات العسكرية، والتنسيق العملياتي، بما يعكس مستوًى متقدمًا من الثقة والتكامل بين القوتين.

وشهدت منطقة غرب المحيط الهادئ تطورًا لافتًا مع تنفيذ روسيا والصين دورية جوية استراتيجية مشتركة امتدت من بحر اليابان إلى بحر الصين الشرقي، في خطوة أعلنت بكين أنها تهدف إلى إظهار قدرة البلدين على حماية الأمن والاستقرار الإقليميَّينِ. غير أن توقيت المهمة، في ظل تصاعد التوترات الدولية، منحها أبعادًا تتجاوز كونها تدريبًا عسكريًا اعتياديًا، لتُقرأ باعتبارها رسالة ردع استراتيجية تحمل دلالات سياسية وعسكرية واضحة.

واعتمدت الدورية على قاذفات استراتيجية من طراز Tu-95MS الروسية وH-6K الصينية، اللتين شكلتا العمود الفقري للعملية، فيما رافقتهما مقاتلات J-16 الصينية وSu-35S الروسية لتأمين الحماية الجوية. كما شاركت طائرات الاستطلاع البحري الروسية بعيدة المدى Tu-142، الأمر الذي عزز القدرات الاستخباراتية والاستطلاعية للتشكيل.

وأظهرت لقطات مصورة بثها الجانب الصيني مشاركة منصات جوية إضافية، من بينها مقاتلات J-10C، ومقاتلات Su-30MK المخصصة لتنفيذ الضربات الجوية، إلى جانب طائرة الإنذار المبكر KJ-500 وطائرة التزود بالوقود Y-20U، وهو ما يعكس أن المهمة لم تقتصر على تحليق قاذفات استراتيجية فحسب، بل مثلت تشكيلًا جويًا متكاملًا قادرًا على تنفيذ عمليات بعيدة المدى بصورة مستدامة وبدرجة عالية من التنسيق.

من جانبها، أعلنت اليابان أن الطائرات الروسية والصينية حلقت عبر مسارات قريبة من ممر مياكو ووصولًا إلى مناطق قبالة تشيكوجو، ما دفع قوات الدفاع الذاتي اليابانية إلى إرسال مقاتلات لمراقبة التحركات عن كثب. كما أفادت كوريا الجنوبية بأن طائرات صينية وروسية دخلت منطقة تعريف الدفاع الجوي الخاصة بها، لكنها لم تخترق المجال الجوي السيادي.

وفي المقابل، أكدت موسكو أن الدورية الجوية نُفذت وفقًا للقانون الدولي، وضمن خطة التعاون العسكري المشترك بين البلدين لهذا العام، مشددة على أنها ليست موجهة ضد أي طرف ثالث. إلا أن تكرار هذه الدوريات منذ عام 2019 يشير إلى تحولها من نشاط روتيني إلى نهج ثابت يعكس مستوًى متقدمًا من التعاون العسكري بين القوتين في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة.

وتزامن ذلك مع نشاط بحري صيني في الشرق الأقصى الروسي، حيث وصلت إلى ميناء فلاديفوستوك سفينة التدريب الصينية “تشي جي قوانغ” إلى جانب سفينة الإنزال البرمائية كونلونشان، في مشهد يعكس تكاملًا بين التحركات الجوية والبحرية، ويقرب التعاون العسكري بين موسكو وبكين من مفهوم الإسناد العملياتي المشترك.

ويأتي هذا التطور في وقت تواجه فيه روسيا ضغوطًا متزايدة نتيجة الضربات الأوكرانية التي تستهدف منشآت صناعاتها الدفاعية وبنيتها التحتية للطاقة، بالتزامن مع تقارير تحدثت عن تدريبات يجريها جنود روس داخل الأراضي الصينية، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت بكين وموسكو تستعدان فقط لتعزيز قدرات الردع تجاه الغرب، أم أنهما تعملان على بناء آليات تعاون قد يحتاج إليها كل طرف مستقبلًا في حال تعرض الآخر لضغوط عسكرية أكبر.

وفي هذا السياق، يرى محللون صينيون أن المناورات العسكرية المشتركة بين الصين وروسيا غالبًا ما تُفسر في وسائل الإعلام الغربية باعتبارها رسائل موجهة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، إلا أن هذا التفسير لا يعكس بالضرورة طبيعة تلك التدريبات. مشيرين إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها ينفذون سنويًا عددًا أكبر من المناورات العسكرية المشتركة في أوروبا وآسيا، بما في ذلك اليابان، دون أن يُنظر إليها بالمنظور نفسه.

ويؤكد هؤلاء أن التدريبات الصينية الروسية لا تستهدف توجيه رسائل مباشرة إلى الولايات المتحدة أو اليابان أو أي دولة أخرى، وإنما تأتي في إطار تعميق الشراكة الاستراتيجية بين قوتين كبيرتين تتحملان، وفق الرؤية الصينية، مسؤولية الإسهام في الحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليَّينِ. ومن هذا المنطلق، يُعد توسيع التعاون العسكري بين موسكو وبكين أمرًا طبيعيًا في سياق تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التنسيق الاستراتيجي بينهما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى