ضربة معلم.. كيف أمسكت إيران بنقاط ضعف أمريكا وكظمت على جمر الألم من أجل النصر؟

بقلم: د. شكري الهزَّيل..
بسبب الحرب الغاشمة على غزة ولكثرة ما شاهدناه من صور وأهوال وجبن وقذارة الموقف العربي بشقيه الحاكم والمحكوم من الحاصل في غزة، توقفت تماما عن مشاهدة التلفاز ونشرات أخبار الفضائيات الناطقة بالعربية، لكنني ابقيت على التواصل مع الأحداث عبر المذياع ووسائل أخرى، لا أسمع صوتاً ولا أشاهد صوراً لم يعد قلبي ولا وجداني يتحملها لأنها تشحنني بموجات غضب وحصرة قاسية على الحاصل من إبادة ودمار في غزة ولبنان فيما نصف مليار عربي محكوم يتفرجون على الحاصل دون تحريك أي ساكن، ناهيك عن عدم التظاهر والاحتجاج ولا أبداء أي شكل من أشكال المقاومة والممانعة أو التضامن في خضم مجزرة قتل ودمار هائل حاصل منذ عام 2023 ومازالت مستمرة في قطاع غزة حتى يومنا هذا في ظل وظلال خديعة “مجلس سلام ترامب ووقف اطلاق النار” الهادفة بالمحصلة الى استمرارية الابادة وتهجير سكان قطاع غزة والحقيقة الصادمة هي ان عربان شعيط ومعيط هم من تفاوضوا ووافقوا على “مجلس سلام ترامب” في شرم الشيخ بوجود ودعم كامل دول المحميات الأمريكية في العالم العربي وما جرى في الحقيقة هو خارطة استسلام للقضاء على ما تبقى من قطاع غزة وتهجير قاطنية الى منافٍ لا عودة منها الى غزة وعليه ترتب القول، ان طرحنا وسردنا لهذه المقدمة يهدف الى مقارنة المفاوضات الايرانية الأمريكية بما فعله “عربان الردة” في شرم الشيخ حين ألقت العربان بقطاع غزة في قاع جب خديعة “مجلس سلام ترامب” الذي تبين انه بالفحوى والأهداف عبارة عن خديعة كبرى هدفها انجاز وتمرير المخططات الصهيونية بقتل الحياة في غزة ومن ثم تهجير أهلها الى خارج القطاع وفلسطين الى أبد الآبدين ودون خط عودة.
مفاوضات عن مفاوضات تفرق واتفاقيات عن اتفاقيات تفرق ونحن نشاهد اليوم سير ومسار التفاهمات الأمريكية الإيرانية ونعايش “عشنا وشفنا” اتفاقية شرم الشيخ وأكذوبة مجلس السلام والكارثة الحاصلة في غزة والوثائق المسربة التي سُربت مؤخرا وتشير الى ان “مجلس سلام ترامب” يهدف الى تدمير القضية الفلسطينية والحيلولة دون قيام دولة فلسطينية بالإضافة الى تمرير مخطط تهجير سكان قطاع غزة.
لا يمكن لأحد يحمل ذرة عقل في رأسه ان يجزم في قضية من انتصر عسكريا في الحرب الأمريكية الايرانية ويزعم ان إيران هي المنتصرة في حين ندرك فيه ان القوة العسكرية الأمريكية أقوى بكثير من القوة العسكرية الإيرانية، لكن مع كل حال وأحوال وأجواء ميزان القوة العسكرية فقد اعترفت أمريكا وحلفاؤها بتكبدهما خسائر فادحة وصل موسمها الى القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج والأسطول الخامس بالبحرين وحتى ألحق أضرارا هائلة بحاملة الطائرات الأمريكية لينكون واخراجها عن الخدمة، ناهيك عن خسائر تل أبيب والدوحة وأبو ظبي والرياض وعمان… الخ، وبالتالي لم تنتصر إيران عسكريا لكنها انتصرت استراتيجياً وسياسياً كمفاوض ند يملك أوراق قوة تتجلى بوضوح بالسيطرة على مضيق هرمز الذي يشكل شريانا مائيا حيويا ومهما وإغلاقه يعني الحاق دمار كبير بالاقتصاد العالمي وامدادات النفط والطاقة في العالم وهذا ما وظفته إيران لصالحها لتضع ترامب تحت ضغط هائل في ظل صعود أسعار النفط والطاقة والغذاء حول العالم بسبب اغلاق مضيق هرمز ووقف تدفق النفط والبضائع وإمكانية حصول انهيار اقتصادي عالمي يضرب دول وشعوب العالم.
ترامب رغم قوته العسكرية الهائلة وجد نفسه مكبلا في شباك هرمز والدبلوماسية الايرانية التي أدارت المفاوضات بحنكة ورفعت سقف مطالبها مدركة نقاط الضعف الأمريكية وعلى رأسها الحاجة الملحة لفتح مضيق هرمز بهدف حلحَّلة وإنعاش الاقتصاد العالمي المأزوم بأزمة الحرب على إيران واغلاق هذه الأخيرة مضيق هرمز من جهة وامتلاكها القوة العسكرية للرد على أية هجمات أمريكية اسرائيلية من جهة ثانية وبالتالي لم يتبقَ لترامب سواء خيار التوقيع على “مذكّرة إسلام أباد” والرضوخ لأكثر المطالب الايرانية.
من اللافت للانتباه تصريحات ترامب اليومية والكثيرة، ورد الايرانيون اليومي بتكذيب هذه التصريحات وتوسيع مساحة التفسيرات لبنود ونصوص مذكرة التفاهم لجعل الطريق وعرة وليس سهلة أمام بلوغ حل النهاية وإمكانية صياغة وقف نار كامل ودائم ضمن اتفاق شامل وتفصيلي، ولعل أهم انجازات استراتيجية التفاوض الايراني كان ومازال دق أسفين بين النهج الأمريكي والأهداف الاسرائيلية وأحداث خلافات جمة بين واشنطن وتل أبيب وصلت الى حد تذكير أمريكا الصريح للكيان الغاصب بانها ولية أمره وضرورة إدراكه بانه لولا الأسلحة الأمريكية والقوة العسكرية الأمريكية لزالت دولة الكيان بين ليلة وضحاها.. فرض المفاوض الايراني نهجا جديدا ومعادلة جديدة رسخ فيها مبدأ مفاده، أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها تحقيق نصر مطلق ولا يمكنها ان تحقق أهدافا استراتيجية بعيدة المدى ولا يمكنها ان تغير نظاما ولا لي أذرع إيران وداعميها في المشرق العربي والإسلامي، نشير الى ان مصطلح “الشرق الأوسط” فُرض كبديل استعماري قسري لاسم المشرق العربي والهدف منه هو نزع الهوية العربية الاسلامية عن المنطقة لإدماج الكيان داخلها، فإيران لم تتنازل عن تخصيب اليورانيوم ولا عن حلفائها وخاصة في لبنان وفرضت وحدة وشمول جميع الجبهات ليشمل وقف اطلاق النار جبهة لبنان، بالطبع إيران حصلت أيضا على اعفاء جزئي من العقوبات ورفع الحصار البحري الأمريكي عن ايران والافراج عن مليارات الدولارات من الأموال الايرانية المجمدة واللافت شراء القمح الأمريكي بكميات كبيرة واعلان ترامب موافقته الفورية ومن دون شروط على تصدير القمح ومواد أخرى الى إيران وهذا كله بضربة معلم واحدة وهي مطرقة مضيق هرمز وسندان الأزمة الاقتصادية العالمية التي ترتبت على اغلاق هرمز، ناهيك عن تحديد ستين يوماً للمفاوضات ورسم أرضية صلبة لعدم عودة الحرب.



