اليمين اللبناني وعشق الجار اللطيف

بقلم: د. لينا الطبال..
أنا لا أستجوب السياسيين.. الساسة يمتلكون موهبة مذهلة في نسيان الدم، إنها قدرة خارقة تشبه قدرة الحرباء على تغيير جلدها، أنا أسألكم أنتم..
اسأل الأطفال الذين نبتت لهم أسنانهم الأولى على وقع جنازير دبابات شارون وبيغن وهي تلتهم الطريق نحو بيروت عام 1982. الأطفال يتذكرون أكثر من المؤرخين، وأكثر من الجميع.
الطفولة عندما تصطدم بالحرب، لا تعود طفولة كاملة.. ينبت لها ذاكرة مضاعفة.. الأطفال لم ينسوا رائحة الإسمنت المحروق، ولا شكل الأم حين تكذب، وتقول: “كل شيء سيكون بخير”.
وأنت، عزيزي القارئ المتأنق، تتذكر طبعا.. حتى لو تظاهرت بالزهايمر الاختياري. عام 1982، كانت السماء سوداء، البحر أسود، والوجوه كانت شديدة السواد كأنها طُبخت في فرن الجحيم، والدم المتخثر في زواريب الحصار والمجازر كان.. يا للمصادفة، اسود أيضا.
في ذلك العام 1982، كان اليمين اللبناني يرتدي بذلاته الباريسية ويتحدث بلكنة فرنسية عن “فرصة تاريخية للسلام” مع العدو الإسرائيلي. تخيّل حجم المذلة! أيضا تحت القصف الإسرائيلي.
في الشرق الأوسط، يبدأ السلام دائما بالدبابات، وينتهي بالقبور.
حتى عندما امتلأت “صبرا وشاتيلا” بألف جثة، أو بثلاثة آلاف.. من يكترث للعدد حقا؟ الأرقام في بلادنا تفقد قيمتها الرياضية وتتحول إلى إحصاءات مملة. في الوقت الذي كانت فيه القطط الضالة تسير برعب بين الأشلاء الآدمية، كان سياسيو اليمين اللبناني يسيرون بخفة مذهلة، إلى جانب الجنرالات الإسرائيليين.
منذ عام 1948، نظر اليمين اللبناني إلى إسرائيل بنظرة انبهار مريض أعمت عيونهم البرجوازية. نظروا إليها تماما كما ينظر “نشّال” صغير متدرب إلى “زعيم عصابة” عبقري وناجح. هل هو انبهار؟ ربما.
او هو حسد وجودي مخبأ تحت أطنان من الخطابات الوطنية الخفيفة، وثرثرات سيادية عن “فينيقيا الكبرى”، مغلفة برائحة السيجار والويسكي.
كميل شمعون حلم بلبنان منفصل عن محيطه العربي، حلم بـ “نادي خاص” مشعشع بأضواء النيون، كمرقص غربي رخيص وتافه وُضع بالخطأ وسط منطقة ملتهبة. مرقص أوروبي الهوى، أو لنكن أكثر دقة: “نادي قمار” قريب من أوروبا بما يكفي ليشعر رواده بالتفوق العرقي على جيرانهم البدو.
وفي عام 1958، لم يجد فخامته حرجا في استدعاء المارينز الأميركي إلى شواطئ بيروت لحماية نظامه، بحجة الاستقرار، وخوفا من أن تنقطع أضواء المرقص.
السيادة عند هذا اليمين بالذات تترافق أحيانا مع استدعاء الخارج نفسه لحماية الداخل.. ولما لا؟؟
ثم جاء بشير الجميل، “الفتى اللامع” والوسيم، الذي رأى في التحالف مع تل أبيب وصفة سحرية لإعادة تشكيل لبنان وإنهاء الحرب بسرعة.. ابتلعته الحرب بالسرعة نفسها.
اليوم، يرتدي اليمين اللبناني قناع الحداثة، والنيوليبرالية، والاقتصاد الرقمي، لكنه ما زال يبيع الوهم القديم نفسه.
يقولون لنا بوقاحة: “إسرائيل يمكن أن تصبح جار طبيعي.. وربما جار لطيف “يقدم لكم كعك العيد” مثل كافة الجيران.
نعم، يمكن ذلك جدا! بشرط ان ننسى.
ان ننسى المقابر الممتدة مثل سلاسل الجبال، أن ننسى المدن المهدمة، والقرى المحروقة، والاحياء التي صارت غبار. أن ننسى عدد الشهداء والجرحى، والمفقودين. أن ننسى المعتقلين، والسجون، والحدود التي تمّ قصفها، والحقول التي تمّ حرقها، والأشجار التي تّم اقتلاعها، والأرض الذي تمّ تجريفها والهواء والبحر الملوثين بالفوسفور الأبيض.. أن ننسى الأطفال الذين كبروا أسرع من أعمارهم، والقرى الجنوبية التي تعيد بناء نفسها مثل موسم زراعيّ دائم…
المشكلة أن اليمين اللبناني لا يكره إسرائيل.. هو يغار منها الى حدّ الموت!
يغار من قدرتها الفائقة على استخدام القوة دون وازع أخلاقي، يغار من وضوح مشروعها الاستعماري، ومن الدعم الغربي غير المشروط لها. والأهم من ذلك: يغار من قدرتها على قول الأشياء القبيحة بصراحة متناهية.
اليمين اللبناني واليمين الإسرائيلي توأمان سياميان يشبهان بعضهما أكثر مما يجرؤان على الاعتراف:
كلاهما يعيش على فكرة الضحية الأبدية المستهدفة، كلاهما يحتاج إلى عدو دائم في الغرفة المجاورة حتى لا ينهار بيته داخليا، كلاهما يخاف من الديموغرافيا أكثر من خوفه من الله واليوم الآخر.. وكلاهما يبيع شعبه أكاذيب مقدسة عن الوجود المهدد.
بينما يشرح لك اليمين اللبناني بحنان تربوي، أن إسرائيل لا تريد شيء من لبنان، وليس لها أطماع.. في اللحظة نفسها تقريبا، يخرج إيتمار بن غفير ليتحدث بنشوة عن الاستيطان في الجنوب، ويواصل سموتريتش أحلامه التوراتية، ويخلط الخرائط بالأساطير، ليعلن بالحرف الواحد أن حدود إسرائيل الجديدة يجب أن تصل إلى نهر الليطاني.
الليطاني دفعة واحدة! نعم.
من اللطيف جدا والسريالي جدا أن يطمئنك أحدهم في بيروت بأن منزلك آمن، بينما الوزير في حكومة العدو يشرح على شاشة التلفزيون، وبالألوان الكاملة، كيف ينوي مصادرة غرفتك وسرقة قريتك. هذا ليس تصريح عابر من مجنون في زقاق قرية: لا… انه كلام وزير أساسي يطلب منا أصحاب “المرقص اللبناني” أن نبادله “سلام واقعي”.
اما وزير الملاهي بن غفير، فقد كان هذا الشهر شديد الكرم.. اذ، تحدث علنا عن خطط الاستيطان في لبنان، بالتوازي مع تهجير سكان غزة والضفة. المشهد هنا يكاد يكون مثالي لكن من شدة القرف: وزير إسرائيلي يسيل لعابه على أرضنا، وفي بيروت يخرج ساسة يريدون اقناعنا أن إسرائيل زاهدة في أرضنا، وأن المشكلة الوحيدة في هذا الكون هي سلاح المقاومة! حقا؟!
هذا ليس مقالا حول تصريحات سموتريتش وبن غفير، ولا هو مقال حول الاستيطان في الجنوب هذا المقال هو حول تشريح هذا الإيمان اللبناني المزمن بالخرافات.. في بيروت، هناك دائما محلل سياسي امام شاشة تلفزيون يميني سيشرح لك أن الوحش كائن نباتي لا يأكل البشر، وطبعا ان اسرائيل لا تريد شيئا من لبنان!
طبعا… لا تريد شيء كما ان الذئب يقتحم حظيرة الأغنام، فقط من أجل التأمل الفلسفي..
فجأة، اصبح السلام هو “الموضة” الإقليمية الأخيرة، واليمين اللبناني (كعادته) “يموت” في “الموضة” و”التقليد الأعمى”. لكن المأساة ان اليمين الإسرائيلي أكثر صدقا من نظيره اللبناني.. وأكثر نقاء في شرّه أيضا:
بن غفير لا يخفي شهيته للأرض، سموتريتش لا يخفي احتقاره الشديد للعرب، ونتنياهو مستعد لإحراق المرقص، والحظيرة، والشرق الأوسط بأكمله، واليمين في بيروت ما زال يحاول إقناعنا بأن الذئب نباتي، وأن الطقس رائع، وبأن كل شيء.. سيكون على ما يرام.



