الحج.. فرصة التعارف العالمي

محمد علي جواد تقي
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
بينما كان الحجيج يتدافعون لاستلام الحجر الأسود المبارك خلال الطواف حول الكعبة المشرفة، أراد هشام بن عبد الملك؛ الحاكم الأموي في حينه استلام الحجر، ظناً منه أن الحجر سيكون بين يديه سريعاً، لكن فوجئ بالتجاهل الغريب من جمهور الحجيج القادمين من مختلف البقاع الإسلامية، فتنحّى جانباً مع عدد من الشاميين جاءوا لأداء مناسك الحج، وبينا هو كذلك، وإذا بالإمام زين العابدين يطوف مع الناس دون مرافقين أو حاشية، وما أن وصل الى الحجر الأسود وأراد تناوله انشق له الناس صفين على الفور، إجلالاً لهيبته – تقول المصادر التأريخية – ولا علينا بتفاصيل القصة التي تمخضت عن قصيدة عصماء لامعة في تأريخ الشعر العربي، ارتجلها الفرزدق بعد أن ادعى هشام عدم معرفته بالإمام في جوابه على أحد الشاميين بمن يكون الرجل؟! إنما العبرة التي نستفيد منها اليوم في أهمية التعارف بين المسلمين خلال موسم الحج، وكيف أن المسلمين من مختلف القوميات والألوان والأعراق كانوا على معرفة تامة بمكانة الإمام زين العابدين، وربما بمعرفة تامة أيضاً بذاك الحاكم الأموي فتجاهلوه.
الحكام والخشية من روح الدين وليس الدين نفسه
لا يأبه الحكام منذ رحيل رسول الله عن دار الدنيا، من أداء الفرائض الدينية، وقراءة وحفظ القرآن الكريم، ولكنهم يتخوفون من توقف الانسان المسلم عند آية قرآنية تتحدث عن الإصلاح الاجتماعي والسياسي من خلال فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو آيات تتحدث عن نظام اقتصادي عادل يقسم فرص العمل والإثراء بالتساوي بين الناس، ويحارب الفساد والاستئثار بأموال المسلمين كما كان يفعل الصحابي الجليل؛ أبي ذر الغفاري في الشام عندما كان يتلو الآية القرآنية عند أسوار قصر معاوية بالشام: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}، فقال له معاوية: أليست ثمة آيات أخرى في القرآن؟! قال: بلى؛ ولكن هذه الآية تخصك أكثر.
وكذا الحال بالنسبة لفريضة الحج التي هي {أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}، لأداء الفريضة، بيد أن الحجيج يبقون أياماً أخرى في مكة المكرمة والمدينة المنورة وفق برامج التفويج الحالية، حيث يبقى الحاج نحو عشرين يوماً أو حوالي ثلاثة أسابيع في رحلة الحج قبل العودة الى بلاده، وهذه الفترة تتيح له الالتقاء بأخيه المسلم من أفريقيا أو آسيا أو القوقاز أو الخليج أو من شبه القارة الهندية، كل واحد من هؤلاء يحمل هموماً في صدره يبحث عمّن يفضي بها اليه، بحثاً عن البديل والحل، أو التعرف على تجارب الآخرين في التعامل مع الأزمات.
وهذا تحديداً ما تخشاه بعض الأنظمة السياسية – إن لم نقل جميعها – فهي تريد أن يمر كل شيء من خلالها وفق رؤية كل نظام سياسي للأمور، فثمة رؤية ثورية، وأخرى ليبرالية، وأخرى برغماتية، بينما رؤية الحجيج القادمين من مختلف بقاع العالم هي رؤية واحدة مستقاة من روح الدين وقيمه الأخلاقية الداعية الى التكافل والتعاون وأن يكون “المسلم مرآة أخيه المؤمن”، وأن يكون المؤمنون “كالجسد الواحد”، وأن تعلو عندهم مشاعر المسؤولية إزاء اخوانهم المسلمين فوق كل المشاعر.
المسلمون جميعاً يحفظون هذه الأحاديث عن رسول الله، “صلى الله عليه وآله”، لكن المشكلة في الغفلة عن مصاديقها على أرض الواقع، وبسبب شحّة المعلومات من جهة، والتضليل من جهة أخرى، يقعون في مطبّات كبيرة تجعلهم بعيدين ليس عن اخوانهم المسلمين وما يعيشونه من أزمات ومحن فقط، وإنما هم بعيدون عن قيمهم الدينية والأخلاقية التي علمهم إياها نبيهم الكريم.
اليوم؛ وكل يوم تُعد المسؤولية ثقيلة جداً على عاتق المؤسسة الدينية وكل انسان مسلم يحمل الوعي والثقافة الاسلامية في الديار المقدسة لاغتنام فرصة الاجتماع البشري لمسلمي العالم، لبلورة نقاط الالتقاء، والتركيز على نقاط القوة لدى الأمة، ومن ثم الخروج بمواقف موحدة إزاء قضايا مصيرية نتخبط فيها اليوم رغم التحديات والتهديدات الخطيرة التي وصلت اليوم حتى الى لقمة العيش بسبب وصول شظايا الحروب والأزمات السياسية الى مصادر الطاقة والموارد المالية.
إن قادة الحروب في عالم اليوم يتعكزون على مفردة غريبة خلال أعمالهم العدوانية بأن “هذا هو الذي يسعد الشعوب ويجعلها أكثر أمناً ورخاءً”. ونحن نشهد أن هذه الوعود الكاذبة، والأماني الزائفة تأتي على حساب آلاف الجثث من الأطفال والنساء، وسلب الأمن والاستقرار من شعوب عدّة في المنطقة، والاستخفاف بمشاعرهم ومصائرهم.



