اخر الأخباراوراق المراقب

العدمية وترسيخ العادات السيئة

تتناول هذه المقالة العلاقة بين التفكير العدمي وترسيخ العادات السيئة من منظور فلسفي ونفسي وسلوكي. تنطلق المقالة من تعريف إجرائي للعدمية لا بوصفها أطروحة نظرية مجردة تقول إن الحياة بلا معنى فحسب، بل بوصفها حالة شعورية وسلوكية تجعل الأفعال والنتائج تبدو متساوية القيمة: الصحة والمرض، الإنجاز والتسويف، الانضباط والفوضى، كلها تظهر للفرد كخيارات لا فرق جوهرياً بينها. ومن هنا تنشأ المفارقة المركزية: إذا كان “لا شيء يهم”، فلماذا لا ينتهي الإنسان إلى الحياد أو السكون، بل ينزلق غالباً إلى عادات ضارة مثل الإدمان الرقمي، الإفراط في الطعام، السهر، التسويف، تعاطي المواد، أو إهمال الجسد والعلاقات؟.

تجادل المقالة بأن العدمية لا “تخلق” العادة السيئة خلقاً مباشراً، لكنها تزيل الحواجز المعنوية التي تمنعها، ثم تترك القرار اليومي تحت رحمة آليات المكافأة الفورية، والقلق الوجودي، والكسل المعرفي، والبحث عن التخدير. فالإنسان لا يعيش في فراغ نفسي محايد؛ حين ينهار المعنى البعيد لا يحل محله الصمت، بل تحل محله اللذة القريبة، والعادة الأسهل، والطقس الذي يخفف الألم مؤقتاً. لذلك تصبح العادة السيئة بديلاً وظيفياً عن المعنى: تمنح تسكيناً، وهوية متمردة، وإحساساً زائفاً بالسيطرة، لكنها في المدى الطويل تعمّق العجز والفراغ. وتقترح المقالة في خاتمتها مساراً مضاداً يقوم على خلق معنى شخصي، وإعادة بناء العادات باعتبارها أدوات لصناعة الهوية، وفهم الانضباط لا كقيد أخلاقي جامد، بل كفعل تحرر من الفوضى الداخلية.

ليست العدمية، في السياق السلوكي الذي تعالجه هذه المقالة، مجرد موقف فلسفي يعلن أن العالم بلا غاية نهائية، أو أن القيم لا تستند إلى أساس موضوعي مطلق. هذا التعريف الفلسفي مهم، لكنه لا يكفي لفهم أثر العدمية في الحياة اليومية. فالعدمية حين تنتقل من كتب الفلسفة إلى العادات اليومية تتحول إلى إحساس عملي يقول للفرد: لا فرق حقيقياً بين أن تعتني بنفسك أو تهملها، بين أن تنهض مبكراً أو تغرق في السهر، بين أن تحافظ على جسدك أو تستهلكه، بين أن تبني علاقة أو تهدمها، بين أن تحاول أو تستسلم. يعرّف مدخل “موسوعة الإنترنت للفلسفة” العدمية الوجودية بأنها الاعتقاد بأن الحياة لا معنى لها، وأن الوجود والفعل والمعاناة والشعور تبدو في نهاية الأمر فارغة أو بلا معنى. وهذا التعريف يمنحنا أرضية أولى لفهم العدمية بوصفها تآكلاً في دلالة الفعل نفسه، لا مجرد شك نظري في القيم.

لكن المقالة تعتمد تعريفاً إجرائياً أكثر التصاقاً بالسلوك: العدمية في السياق السلوكي هي حالة معرفية-وجدانية يفقد فيها الفرد الإحساس بالفارق العملي بين الخيارات، فيرى النتائج المتباينة كما لو أنها متساوية من حيث القيمة النهائية.

تنبع فرضية هذه المقالة من هذه النقطة: غياب الغاية يعمل كمحرك خفي لتبني سلوكيات التدمير الذاتي، لا لأنه يأمر بها مباشرة، بل لأنه يفرغ السلوك الصحي من مبرراته الداخلية فالإنسان لا يلتزم عادة بالنوم الجيد، أو التغذية المتوازنة، أو التعلم، أو ضبط استخدام الهاتف، لمجرد أن هذه الأفعال سهلة أو ممتعة في ذاتها؛ بل يلتزم بها لأنها مرتبطة بصورة مستقبلية عن الذات، وبقيمة يمنحها للصحة، وبأمل في نتائج متراكمة. فإذا انهارت هذه الروابط، صار الحفاظ على الصحة جهداً بلا معنى، وصار ضبط الرغبة حرماناً عبثياً، وصار العمل على الذات شبيهاً بمسرحية لا جمهور لها ولا نهاية تستحق.

هنا تظهر إشكالية البحث: إذا كان “لا شيء يهم”، فلماذا يختار الإنسان العادات الضارة تحديداً بدلاً من الحياد؟ من الناحية المنطقية الباردة، كان يمكن للعدمي أن يجلس ساكناً، لا يفعل خيراً ولا شراً. لكن الواقع النفسي لا يعمل بهذه البرودة. الجسد يريد مكافأة، والدماغ يبحث عن اختصار، والقلق يريد تخديراً، والفراغ يريد امتلاءً سريعاً، والبيئة الحديثة تعرض باستمرار عادات سهلة التناول: شاشة لا تنتهي، طعام عالي المكافأة، محتوى سريع، سهر، مقامرة رقمية، أو علاقات استهلاكية. لذلك فإن العدمية لا تقود إلى الحياد لأنها لا تلغي آليات الرغبة، بل تلغي فقط قدرة القيم البعيدة على تنظيم الرغبة القريبة.

تؤيد دراسات العادات هذا الفهم. فالعادات تتكون غالباً عبر حلقة من مثير وروتين ومكافأة؛ ومع التكرار تصبح أقل اعتماداً على القرار الواعي وأكثر التصاقاً بالسياق. وتوضح مصادر صحية وسلوكية أن العادات المؤذية، مثل الإفراط في الطعام أو التدخين أو المقامرة أو الاستخدام القهري للحاسوب ووسائل التواصل، ترتبط بمراكز المكافأة في الدماغ وبإفراز الدوبامين، ما يقوّي الرغبة في تكرار السلوك رغم معرفة ضرره. وتشرح جامعة ويسترن أن العادة تعمل غالباً عبر “إشارة، روتين، مكافأة”، وأن الدماغ يحفظ الطاقة بتحويل الأفعال المتكررة إلى أنماط شبه تلقائية.

إذن، جوهر المشكلة ليس أن الإنسان العدمي “يحب الشر” بالضرورة، بل أن نظامه القيمي يفقد القدرة على مقاومة المكافأة الفورية. حين لا يعود المستقبل ذا ثقل، ينتصر الحاضر. وحين لا تعود الهوية مشروعاً، تصبح اللذة اللحظية أو التخدير المؤقت بديلا عمليا. وحين لا تعود الحياة مفهومة بوصفها مساراً، تتحول العادة السيئة إلى ملجأ صغير يمكن الدخول إليه كلما ظهر السؤال الكبير: لماذا أعيش؟ ولماذا أتعب؟ ولماذا أقاوم؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى