اخر الأخباراوراق المراقب

الخوف من التغيير.. الفرص الضائعة والأوهام الكابحة

مرتضى معاش..

تأتي هذه المقالة في موضوع الخوف من التغيير استكمالًا لمقالتين سابقتين ضمن محور: الإنسان والحياة، وما يواجهه من تحديات أساسية، مثل الأهداف، والوقت، والعمر.

فالخوف من التغيير كثيرًا ما يتحول إلى عائق دائم في حياة الإنسان؛ يراكم العقبات في طريقه، ويمنعه من تحقيق أهدافه، ويضعف قدرته في مواجهة التحديات، والسير نحو الكمال الممكن في حياته.

وبصورة أدق، فإن العمر والوقت يُعدّان من أبرز المصادر التي يتغذّى منها هذا الخوف في حياة الإنسان؛ إذ يشعر الإنسان أحيانًا أن الزمن يمضي، وأن العمر يتقدم، وأن أي تغيير قد يضعه أمام مجهول لا يملك القدرة على التعامل معه.

مفهوم الخوف من التغيير

يمكن أن نعرّف الخوف من التغيير بأنه نوع من الخوف الداخلي الذي يصيب الإنسان، فيمنعه من التطور والتقدم، ويدفعه إلى الركود والجمود والبقاء في مكانه، حتى وإن كانت الحياة من حوله تتحرك وتتبدل وتتطور.

فتطور ظروف الحياة، والتغيّرات الدائمة في هذا الكون المتحرك، يفرضان على الإنسان باستمرار أن يعيد تشكيل نظامه الفكري والنفسي والسلوكي، حتى يستطيع أن يتكيف مع التطور الحتمي الجاري في الحياة. ومعظم الأزمات التي تعيشها المجتمعات، أو يخوضها الأفراد، هي نتيجة واضحة لضعف القدرة على التكيف مع حركة الحياة وتطورها.

(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد 11.

فالخوف من التغيير يعني أن يعجز الإنسان عن مواصلة عملية التقدم والحركة نحو الأمام، فيبقى جامدًا في مكانه، أو يتراجع إلى الوراء في حالة من الركود والتوقف. وهذا يعني أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، من النفس، من الفكر، من الإرادة، ومن طريقة النظر إلى الحياة. ومعظم الازمات التي تعيشها المجتمعات ويخوضها الأفراد هي نتاج واضح لعدم وجود التكيف مع تطور الحياة.

قال تعالى:

(وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) سورة العصر.

فالعمر يتغير، ويتقدم إلى الأمام، وكل شيء في الإنسان يتغير. جسم الإنسان يتغير منذ أن ينشأ صغيرًا، فيبدأ بالنمو، وتنمو خلاياه وتتبدل، ويتغير كل شيء فيه، حتى يصل إلى مرحلة من العمر، كالثلاثين أو الخامسة والثلاثين مثلًا، فتبدأ عملية أخرى من التغير، وهي التغير نحو الضعف والانحدار التدريجي.

فهذه الحركة المستمرة، حركة العمر مع حركة الكون لا تتوقف.

والإنسان الذي يستطيع أن يواكب هذه الحركة، ويتغير معها، ويتغلب على ضغط الزمن، ويكون مواكبًا لها أو متقدمًا عليها، هو الإنسان الموفق في حياته، الناجح في مسيرته وفي تحقيق أهدافه. أما الإنسان الذي يقف راكدًا، ويريد أن يوقف حركة الزمن، ويخاف من التغيير، فإنه يبقى جامدًا، وفي النهاية يكون خاسرًا. أما الذين واكبوا الحركة، وتقدموا معها، فهم الرابحون، كما عبّرت عن ذلك سورة العصر.

ولهذا فإن التغيير سُنَّة حتمية في الإنسان والمجتمعات والأمم، والذين لا يواكبون التغيير يفشلون حتمًا، ثم يصلون إلى مرحلة الإحباط والاكتئاب، ومن بعدها إلى الانحطاط والانحلال.

كيف يتحول الخوف إلى خسارة؟

معنى الخوف من التغيير: أن يتوقف الإنسان في محطة من محطات حياته عن الحركة، ويتخلى عن السعي للوصول إلى غاياته وأهدافه، خوفًا من أشياء كثيرة قد تكون حقيقية، وقد تكون وهمية.

فلو تأملنا قليلا في مثال عن الفرق بين إنسان تقدم في حياته، وآخر توقف في مكانه، مثل الذي توقف في دراسته عند المرحلة الابتدائية، والآخر استمر في حركته العلمية والدراسية حتى حصل على الدكتوراه. فالأول جمّد عمره، أما الثاني فقد استثمر عمره، واستمر في عملية الحركة نحو الأمام، حتى وصل إلى مرحلة متقدمة في حياته.

وكذلك نرى بعض الناس الذين قدموا خدمات عظيمة للبشرية، أو استثمروا أعمارهم في العلم والعمل والإبداع، حتى وصلوا إلى مراحل كبيرة من الإنجاز؛ فكتب أحدهم مئة كتاب، أو أنجز مشروعًا خدميًا نافعا. هذا الإنسان واكب الحركة، وبقي مع التغيير، واستجاب للحاجة الأساسية في الحياة، وهي أن يستثمر الإنسان عمره في العلم والمعرفة والعمل الصالح، حتى يكون فاعلا ومفيدًا ومثمرًا في الحياة.

التغيير المادي والتغيير المعنوي

حين نتحدث عن التغيير، فإننا لا نقصد التغيير في الأشياء المادية فقط، بل نقصد التغيير في المعاني، والأفكار، والعادات، والقيم، والسلوك.

فنحن في حياتنا كثيرًا ما نستعمل كلمة التغيير بمعناها المادي، فنقول: هذا يريد أن يغير بيته، أو سيارته، أو أثاث منزله. لكن هذا ليس هو المقصود الأساسي من حديثنا.

العادات السيئة والخوف من تغييرها

من الأمثلة الواضحة على الخوف من التغيير أن بعض الناس يحملون عادات سيئة، ثم يقفون عندها، ويخافون من تغييرها، فيبقون أسرى لها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى