اخر الأخباراوراق المراقب

قراءة في شجاعة السيدة فاطمة الزهراء “ع”

السيد هاشم أمير الهاشمي..

لم يمنعها الحياء من الجهر بالحق، ولم يثنِها ضعف الجسد وتكالب المصائب عن نصرة الإمام “عليه السلام”. لقد أسست الزهراء، “عليها السلام” مدرسة نضالية نسوية قوامها، أن الستر لا يمنع الفكر، وأن الحجاب لا يحجب الحجّة.

التأصيل المفاهيمي.. الشجاعة الفاطمية

يُعرّف ابن منظور الشجاعة بأنها “شِدَّة القلب عند البأس”. وعند تطبيق هذا التعريف على سيرة السيدة الزهراء “عليها السلام”، نجد أن “البأس” الذي واجهته لم يكن جيشاً مدججاً بالسلاح، بل كان انحرافاً في مسار الأمة، وتغيراً في المفاهيم، وانقلاباً على الأعقاب. هنا تتجلى عظمتها؛ إذ وقفت وهي المرأة الشابة المكلومة بفقد أبيها (صلى الله عليه وآله)، لتواجه كبار الصحابة ووجوه المجتمع، مسلحةً بالبيان النبوي واليقين العلوي، دون أن يرف لها جفن أو يتلعثم لها لسان.

المطلب الأول.. شجاعة البيان والمواجهة (خطبة فدك أنموذجاً)

تُعد الخطبة الفدكية الوثيقة الأهم التي تكشف عن الشجاعة الأدبية والفكرية للسيدة الزهراء “عليها السلام” لم يكن الموقف سهلاً؛ فالأجواء مشحونة، والسلطة قد استتبت لغير زوجها، ومع ذلك دخلت “عليها السلام” المسجد لتلقي خطاباً غيّر مجرى التأريخ.

يصف الكاتب المصري توفيق أبو علم هذه الظاهرة البلاغية قائلاً: “أوتيت الزهراء -عليها السلام- كسائر أهل البيت حظاً عظيماً من الفصاحة والبلاغة، فكلامها متناسب الفِقر، متشاكل الأطراف، تملك القلوب بمعانيه، وتجذب النفوس بمحكم أدائه ومبانيه، وإنه ليتبين ذلك خاصة في خطبتها وكلامها في بيعة أبي بكر، وخلافها معه بشأن فدك”.

تحليل النص الخطابي يكشف عن قوة نفسية هائلة؛ فهي لم تستجدِ حقاً، بل طالبت به بقوة، وعرّت الواقع المتخاذل، ويظهر ذلك جلياً في مقارنتها الصريحة بين تضحيات زوجها أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين تقاعس الآخرين، حيث قالت: “كُلَّما أوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ، أوْ نَجَمَ قَرْنٌ لِلْشَّيْطانِ، وَفَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَذَفَ أخاهُ في لَهَواتِها، فَلا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِماخَها بِأَخْمَصِهِ، وِيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ… وأَنْتُمْ فِي رَفاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فاكِهُونَ آمِنُونَ”.

إن استخدامها “عليها السلام” لمفردات قوية مثل (يطأ صماخها بأخمصه) لوصف قهر الإمام علي “عليه السلام” للباطل ومقابلتها بـ (وادعون فاكهون) لوصف حالة القوم، يعكس شجاعة في النقد والمكاشفة لا يقوى عليها إلا من امتلك قلباً موصولاً بالله ـ عز وجل، غير هياب من سطوة السلطة الزمنية.

المطلب الثاني.. شجاعة الستر والحفاظ على الهوية

من المغالطات الشائعة اعتبار الحجاب عائقاً أمام الحراك الاجتماعي أو السياسي للمرأة، وتأتي الشجاعة الفاطمية لتنسف هذه المغالطة، فلم تتخلَ الزهراء “عليها السلام” عن سمتها وعفتها وهي تهم بالخروج لأخطر مواجهة سياسية في حياتها.

تصف المصادر التأريخية خروجها بدقة: “لاثَتْ خِمارَها على رأسِها، واشْتَمَلَتْ بِجِلْبابِها، وأَقْبَلَتْ في لُمَةٍ مِنْ حَفَدتِها ونساءِ قَوْمِها، تَطأ ذُيُولَها، ما تَخْرِمُ مِشْيَتُها مِشْيَةَ رَسولِ الله، صلى الله عليه وآله، فَنيطَتْ دونَها مُلاءَةٌ”.

المطلب الثالث.. الشجاعة في الدفاع عن الإمامة

كان المحرك الأساسي لهذه الثورة الفاطمية هو الدفاع عن الحق الإلهي المتمثل في ولاية أمير المؤمنين “عليه السلام”، لقد تجلت شجاعتها في كونها “المحامي الأول” عن الإمام المعصوم، ففي الوقت الذي اضطر فيه الإمام علي “عليه السلام” للصبر والسكوت حفاظاً على بيضة الإسلام، انبرت هي “عليها السلام” لتملأ الفراغ، وتجهر بما لا يستطيع غيرها الجهر به.

لقد كان هدفها واضحاً: نصرة الحق المتمثل في زوجها، ولم تكن شجاعتها وليدة انفعال لحظي، بل كانت استراتيجية ثابتة استمرت حتى لحظات حياتها الأخيرة، حين أوصت بدفنها سراً لتكون قبرها “عليها السلام” وثيقة احتجاج أبدية وشاهد إثبات على مظلوميتها ومظلومية بعلها، هذه القوة النفسية التي تُفعّل الجسد المنهك من الألم والمرض، هي جوهر الشجاعة الفاطمية.

المطلب الرابع.. الامتداد التأريخي للشجاعة الفاطمية (الملهمة والقدوة)

لم ينتهِ أثر الشجاعة الفاطمية برحيلها، بل تحولت سيرتها إلى مدرسة تخرجت منها بطلات الإسلام. يتجلى هذا التأثير بوضوح في شخصية ابنتها العقيلة زينب “عليها السلام” التي وقفت في مجلس ابن زياد ويزيد، تخاطب الطغاة بلسان أمها الزهراء “عليها السلام” ومنطق أبيها المرتضى “عليه السلام” غير عابئة بجبروتهم.

كما نجد صدى هذه الشجاعة في مواقف نساء شيعتها، مثل الصحابية الجليلة “أم الخير البارقي”؛ فقد وقفت هذه المرأة الشجاعة في صفين تحرض جيش الإمام علي “عليه السلام” قائلة بلسان يقطر ولاءً وشجاعة: “أيّها الناس إلى أين تُريدون رحمكم الله عنِ ابن عمِّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وزَوجِ ابنتِه وأبي ابنَيه؟!… ها هو مُفلِّقُ الهام ومُكسِّر الأصنام”.

وعندما جيء بها إلى معاوية بعد استشهاد الإمام “عليه السلام”، وهددها، أجابته برباطة جأش استلهمتها من المدرسة الفاطمية: “والله، ما يسوئني يا بن هند أن يُجري الله ذلك على يدِ مَن يُسعدني الله بشقائه”. هذا الرد المفحم يؤكد، أن الشجاعة الفاطمية لم تكن حدثاً عابراً، بل تحولت إلى منهج حياة للمرأة المؤمنة الرسالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى