نحن ومعادلة برناردشو ..

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
لم تعد الشعارات الرنانة عن الخدمة العامة ونزاهة اليد في دهاليز السياسة المعاصرة سوى إسطوانة مشخوطة أو قشور رقيقة تغلف حقيقة مرعبة مُفادها أننا نعيش في عصر المادية المطلقة حيث تحّول فيه كل شيء بما في ذلك الضمير الإنساني إلى سلعة قابلة للتداول في بورصة المصالح الرخيصة . في حكاية الكاتب الآيرلندي الساخر جورج برناردشو لم يكن يتنبأ بالمستقبل فحسب بل كان يضع إصبعه على الجرح الغائر في جسد القيم الإنسانية عندما خاض حواره الشهير مع تلك السيدة الفاتنة من الطبقة المخملية حيث وافقت على طلبه منها أن تقضي ليلتها معه لارتكاب الخطيئة مقابل مليون جنيه ، ثم ثارت غضبا عليه حين انخفض العرض واقترح عليها أن يكون جنيها واحدا وقالت له (ويحك من تظنني أكون ؟) فقال لها لقد عرفتك وحددنا الهوية لكننا نتفاوض على السعر . لم يكن برنادشو يمزح حينها بل كان يشرِّح جثة الأخلاق في مجتمع يعتبر السعر هو المعيار الوحيد للهوية . إن الطبقة السياسية الفاسدة اليوم تشبه تماما تلك السيدة الرخيصة . الغالب الأعم من أرباب السياسة لا يرفضون البيع من حيث المبدأ بل ينتظرون فقط وصول العرض المالي الذي يليق بشهيتهم وسقوطهم . في عالم السياسة تتبدل المواقف بتبدل التحويلات البنگية . فالمسؤول الذي يصدع رؤوس الناس بـالوطنية والإخلاص وحماية المال العام نهارا هو نفسه الذي يوقع الصفقات المشبوهة ليلا يبيع فيها الأرض والعرض وأوتاد السيادة . الفارق الوحيد هو أن الثمن في الحالة الأولى عند بعضهم لم يكن مغريا كفاية ليجعله يخلع قناع النزاهة فيهوي في الذل والخنوع ليفوز بعرض أفضل . لقد حددت المنظومة المادية العالمية هوية الكثير من النخب السياسية إنهم بائعون بحكم الواقع وما نراه من صراعات سياسية محمومة ليس في جوهره صراعا على المبادئ أو الأيديولوجيا بل هو مجرد عملية تفاوض علنية على السعر . في المجتمع المخملي والفساد المؤسس لا يقتصر الأمر على الأفراد بل تحول المجتمع نفسه إلى بيئة تبرر الفساد ما دام صاحبه ناجحا ماديا وثريا . لقد تلاشت الحدود بين الربح المشروع والارتزاق السياسي من السحت الحرام ( نحن قد حددنا هويتك بالفعل ، نحن الآن بصدد التفاوض على السعر ) هذه الجملة هي الدستور غير المكتوب الذي يسير عليه الفاسدون فهم يعلمون أن الشرف السياسي في نظر الكثيرين ليس سوى عقبة مؤقتة تزول أمام بريق الملايين ومن هنا يصبح الفساد ليس انحرافا عن القاعدة بل هو القاعدة ذاتها في مجتمع يقيس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يمثله من قيم . إن السخرية السوداء التي قدمها برناردشو تكشف زيف الطبقة الراقية والنخبة السياسية . فخلف البدلات الأنيقة والكلمات المعسولة في المحافل والمؤتمرات تختبئ عقلية البازار . إن أزمة العالم اليوم ليست أزمة موارد أو اقتصاد بل هي أزمة تسليع الإنسان . عندما تصبح الأخلاق وجهة نظر مرتبطة بالقدرة الشرائية وعندما يتحول السياسي من خادم للشعب إلى سمسار صفقات ، ندرك أننا نعيش في عالم لم يعد يسأل فيه أحد هل هذا صحيح بل يسألون فقط كم ستدفع لي مقابل ذلك . لقد كان برناردشو عبقريا في تعرية هذه الحقيقة لكنه ربما لم يتخيل أن يأتي يوم تصبح فيه الخيانة الوطنية أو إفقار الشعوب مجرد بند آخر يخضع للمساومة في مزاد الساسة حتى في أحلك الظروف وانتظار الشعب لترشيح رئيس للحكومة تماما كما خضعت تلك السيدة لملايين برناردشو الوهمية.



