إلتباس الهوية في التشكيل العربي


سامر إسماعيل
بداية الهوية هي من سمات المنجز الإبداعي وتعبير عن الفرد التلقائي وعن الذات وعن المكان، وكل ما يحيط بذلك من أبعاد روحية ونفسية. هي ليست بنية مغلقة إنما مفتوحة على كل الاحتمالات فهي لا تسكن في الماضي وتغلق على نفسها الباب. أهميتها في أنها ليست منجزة وغير مكتملة، وبالتالي هي في حركة دائمة فتتحرك وتتشكل مع الزمن المتغير. ثمة إرباك أو التباس في مفهوم الهوية، نتج عنه طرفا نقيض، الموقف من الحداثة وما بعدها كثقافة وافدة، والانغلاق في التراث كتعبير عن الهوية، وربما هذا ما دفع البعض للتفكير في منح تجربتنا الإبداعية هوية تعبر عنّا، وكثير من الفنانين والنّقاد قد وقعوا أسيري التفكير في الهوية وإيجاد موقع للفنان التشكيلي العربي، الذي يحمل خصائص تميزه عن الفنان الغربي، وهنا تكمن المشكلة، حيث نتج عن ذلك أطروحات كثيرة تتعلق بالهوية التشكيلية العربية، وكأنما ينقص اللوحة أن يدلها النقد على الطريق الذي يجب أن تسلكه، وبالتالي جاء هذا البحث قسرياً أحياناً لأجل إدخاله في نسيج اللوحة.
إن خطر الهوية هو وقوعها في شرك البحث عنها. ولو رجعنا إلى الكثير من المفردات النقدية التي تتعلق بالهوية تتمحور أغلبها في البحث عن الهوية “الضائعة” والبحث عن الفنان العربي، كأن يقول أحدهم: متى يولد فنان تشكيلي عربي؟ ويصرّ البعض من النقاد في البحث عن هذه الهوية أو الخصوصية التي يتمتع بها الفنان، والكثير من المقولات التي أدت في ما أدت إلى عدّ الزخرفة والخط العربي وكأنهما المَعْبَران إلى هذه الخصوصية، وهذا بلا شك قصور في المعرفة لأن الهوية أوسع من ذلك بكثير. إن الهوية التي يدرسها النقد اللاحق على اللوحة لا تأتي برؤى مسبقة ومخطط لها، لأنها قائمة بالفعل من خلال تراكم التجربة البصرية للحركة الفنية، عندما تكون في سياق إبداعي ما، لا تفكر مسبقاً في كيف يكون، هل يعبر عن المحلية أم لا.
السياق الإبداعي نفسه يقدم شروطه الناتجة عن التجربة وموروثها وثقافتها و مؤثراتها كافة حتى ولو كانت هذه المؤثرات ناتجة عن الغرب. وهذا “الغرب” لا يزال يشكل استلاباً ما، ولهذا الأمر ربّما بعد نفسي، إذ بقدر ما نوجه مقودنا تجاهه بقدر ما نرفضه، ربما هو نوع من العقدة تجاهه والتي لم تحل بطريقة صحيحة، قد تبدو الحروفية العربية للبعض خالية من التأثير الإيديولوجي، لكن هذا التأثير غير مباشر إن صح التعبير، والحروفية تجربة ليست تراكمية في تاريخ الصورة في حقل الفن التشكيلي، هي اتجاه ناتج عن إحساس بالنقص من التفوق الغربي، الأمر الذي دفع بالكثير من النقاد والفنانين إلى البحث عن الهوية الفنية التي تميزنا عن الغرب، وثمة فهم بسيط بدا وكأنه لمجرد أن الفنان أدخل حروفاً عربية إلى اللوحة أصبحت لها هوية عربية، علماً بأن لوحة الحروف للذين لا يعرفون العربية مثلاً هي لوحة تجريدية تنتمي للحداثة الأوروبية، ففي لوحة محمود حماد على سبيل المثال، لا نرى حروفاً بقدر ما نرى تجريداً.
هذا الفهم الإيديولوجي للهوية القومية أدى إلى إقصاء المكان والتنوعات الجغرافية بما يشتمل من عادات وفلكلور، وعمارة …، ويبدو نتيجة لهذا التفكير أن التاريخ العربي يبدأ من الإسلام متناسين حقباً تاريخية غنية بالصورة من الممكن أن تكون منهلاً هاماً للمبدعين، ولكي لا نكون إيديولوجيين في معرض حديثنا عن الحروفية كمدرسة، فهي قدمت نتاجات مهمة وقدمت مساحة للحوار في أسئلة الهوية، وهي جزء من التنوع في الاتجاهات التشكيلية العربية، ولا بد هنا من الإشارة، على الاختلاف بين لوحة الحرف العربي ولوحة الخط العربي كتجربة محمد غنوم، إن أية قراءة بسيطة للمشهد التشكيلي العربي الآن، تكشف لنا عن إضاءات عديدة عبرت عن هويتها وروحها الخاصة وحضورها الهام في الثقافة البصرية، وأكدت جدية مشروعها وخصوصيتها وعن إمكانية تخطي الدوران في دائرة الفن الغربي. إن تجربة فاتح المدرس، نذير نبعة، شاكر حسن آل سعيد، وغيرهم، لتشكل فعلاً تشكيلياً هاماً، منتجاً معرفياً يساهم في إغناء الحركة التشكيلية العربية والعالمية، وما يسعني القول أخيراً: إن كل فن يعيد إنتاج الماضي ينتمي إلى الماضي، وإن الفنان لا يعيش في صندوق بمعزل عن المؤثرات البصرية متلاحقة التطور. إن هضم الثقافة العالمية دون إقصاء الذات ربما هو ما ينتج ثقافة جديدة.



