قراءة في مجموعة «لست ممتعضاً من دفق السرد»


رسمية محيبس
تعود معرفتي بالشاعر ناجي رحيم الى منتصف الثمانينات لكن اخباره انقطعت وابتلعته المنافي مثل غيره من الشعراء لكني عرفته اكثر من خلال متابعتي له عبر المواقع الالكترونية والصحف التي تصدر هناك وقد حرص ناجي رحيم على صياغة تجربته الشعرية بتركيز شديد زادته اوجاع الغربة توهجا وابداعا علما ان المنفى ابتلع مواهب كثيرة لا يكاد يصل الينا منها سوى النزر اليسير على عكس ما بدأوا به من طموح وتوهج عندما كانوا يتنفسون هواء الوطن وترابه ولكل منهم همومه التي قد تمنح تجربته الشعرية ضوءاً اكثر نعود الى شاعرنا ناجي رحيم الذي خرج من بيوت الطين وهو يرتجف من البرد والخوف والفقر ولم يجد في غربته شيئا من ذلك لا خراباً لا دماراً لا مخبرين يتلصصون على افكاره لكن الذكريات تمر امام عينيه كشريط سينمائي ولم يكن مشاهدا محايدا لكنه يتعذب بكل ما تعنيه الكلمة لم يخلٌ مقطع شعري له من ذكرى تجد الناصرية كلها بطينها وملحها وفراتها تجد أمه أصدقاءه بأسمائهم تجد ذلك كله في قاموسه الشعري هو الذي يقول:
كلما اردت رسم حياتي اتعثر بالذكريات
وهو في كل كلمة يقولها يعبر عن معاناته كانسان غريب مليء بالخيالات والافكار فالماضي حاضر بجميع تفاصيله في قصائده يؤرخ لاحداث عاشها ومرت به كحلم يقظة لا يريد أن ينتهي لذلك وضع لمجموعته عنوانا غريبا هو (لست ممتعضا من دفق السرد) والسرد الذي يعنيه الشاعر هو استعراض ما مر به الشاعر من أحداث شكلت حياته وما زالت تهاجمه على شكل دفعات قوية من ذكريات لا تريد أن تمر بسرعة. يقول ناجي رحيم:
أقفز سنوات خلف اللحظة
التي تكون قد هرمت وشبعت رمادا
مثل منفضتي
ما اكاد انظفها حتى تمتلئ
ان ناجي شاعر يتألم ان القصيدة عنده مجموعة آلام جمعها من خزين ذاكرة مثقلة بالكوابيس والمحن والعذابات ولولا هذا التفريغ من خلال الشعر لأنفجر وانتهى.
يقول افلاطون ان الشعراء تراجمة الآلهة لأنهم ممسوسون وناجي رحيم ممسوس جدا مهما كانت الآلهة التي مسته والتي تختلف عن آلهتنا مع انه لا يعترف بالآلهة بعدّه من الشعراء المتمردين لكن يبدو انها مسته دون ان يشعر. يقول ناجي في مكان آخر:
سأنام ليومين من صخب العالم
انظف منفضتي
انظف منفضة الراس
أباعد أشباحا
وأغسل بماء بارد أصابعي
من لسعات السجائر
محتفيا بثلاثة كوابيس لا أكثر
أشج صلعة العالم وأنام فيها
يقول ايضا
أية خمور في العالم يمكن ان تكفي لحظة ندم
لا اعرف كيف يستطيع هذا الشاعر المعذب بالهواجس والسجائر والخمور ان يحرص على صياغة تجربة شعرية ثرية لم يطفئها كل صقيع الغربة بل زادها وهجا. يقول في مكان آخر:
لا اجيد قصائد الحب كم حاولت
لا اصلح لأني لا أحيط بك
أيتها القريبة من طفولتي



