تركيا و”إسرائيل”.. ماذا يريد أحدهما من الآخر؟

بقلم: حسني محلي..
مع استمرار الفتور وأحياناً التوتر في العلاقات بين “تل أبيب” وأنقرة، جاءت تهديدات نتنياهو ووزير دفاعه كاتس والوزير بن غفير ووزير التراث عميخاي إلياهو ضد الرئيس أردوغان، لتزيد الطين بلّة في العلاقات بين البلدين الحليفين للرئيس ترامب وكل من الرئيس الأذربيجاني إلهام عالييف ورئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان الذي خسر انتخابات بسبب علاقاته الوطيدة مع نتنياهو وترامب.
وجاء هذا التوتر بعد أن طالبت النيابة العامة في إسطنبول بإنزال عقوبة السجن لفترات تراوح ما بين 1102 -4596 سنة بحق 35 من المسؤولين الإسرائيليين ومنهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع كاتس ووزير الدفاع السابق غالانت ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ورئيس الأركان آيال زمير وقائد سلاح البحرية ديفيد سار سلامة وذلك لدورهم في الهجوم المسلح على أسطول الصمود العالمي الذي كان يحمل مساعدات إنسانية إلى غزة في الأول من تشرين الأول الماضي.
وقبل الحديث عن السيناريوهات المحتملة للتوتر الحالي بين البلدين، لا بدَّ من التذكير بأحاديث الشارع التركي منذ العدوان الصهيو-أمريكي على إيران حيث عبّر العديد من الأوساط السياسية عن القلق من احتمالات المواجهة المباشرة بين أنقرة و”تل أبيب” في حال سقوط إيران بعد أن تحدث السفير الأمريكي في “تل أبيب” مايك هكابي عن “حق اليهود في دولتهم الكبرى من النيل إلى الفرات” وفيها أجزاء من تركيا.
وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى تناقضات أنقرة في علاقاتها مع “تل أبيب” منذ استلام العدالة والتنمية السلطة نهاية 2002، حيث قام رئيس الوزراء أردوغان في الثاني من أيار 2005 بزيارة الكيان العبري واجتمع مع الرئيس كاتساف ثم رئيس الوزراء شارون الذي التقى به في القدس ليقول له “أهلاً بك في القدس عاصمة دولة “إسرائيل” الأبدية”.
وكانت منظمة اللوبي اليهودي الأمريكي ADL قد منحت أردوغان في 29 كانون الثاني 2004 وسام الشجاعة السياسية “لمساهمته في تطوير العلاقات مع الكيان العبري ويهود العالم” حيث كان أردوغان على تواصل دائم مع كياناتهم ومنظماتهم المختلفة في أميركا وأوروبا وأماكن أخرى.
كما منحته اللجنة اليهودية الأمريكية AJC في حزيران وبعد شهر من زيارته للكيان العبري وساماً آخر تقديراً له للزيارة التي قام بها للمتحف اليهودي في القدس.
وفي 13 تشرين الثاني 2007 أتاح أردوغان الفرصة لرئيس الكيان العبري شمعون بيريز ليتحدث في البرلمان التركي لأول مرة في تأريخ تركيا وقبل يوم من حديث محمود عباس في البرلمان الذي لم يتردد بين الحين والحين في إصدار بيانات الاستنكار ضد الكيان العبري كلما توترت علاقته مع تركيا والرئيس أردوغان شخصياً.
وفي جميع الحالات وأياً كانت التطورات المحتملة في حالة التوتر الحالي، ومن دون أن يفكر أي من الطرفين بطرد السفير، يعرف الجميع أن من سيقرر مستقبل هذا التوتر والعلاقات بين البلدين سيكون الرئيس ترامب الذي لا يريد أية مواجهة بين الطرفين في سوريا، وبالتالي في المنطقة عموماً، خاصة مع استمرار الوجود العسكري التركي في الصومال حيث الاهتمام الإسرائيلي هناك.
في الوقت الذي لا يستبعد فيه البعض من الأوساط السياسية لأردوغان أن يتراجع عن مجمل سياسات التوتر والتصعيد الحالية، وهو ما فعله سابقاً، لا فقط مع الكيان العبري، بل أيضاً مع الرئيس السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، حيث هددهم وتوعدهم جميعاً وهاجمهم بأشد وأعنف العبارات السياسية منها والشخصية.
ومع انتظار التراجع المحتمل من الطرفين، وفي أية لحظة، يعرف الجميع أن نتنياهو وأعضاء حكومته الصهيونية المتطرفة التي تواجه الكثير من المشاكل الداخلية والخارجية، بحاجة لمادة العداء الديني والتأريخي لتركيا والأتراك، في الوقت الذي سيستغل فيه الرئيس أردوغان التوتر الحالي مع الكيان العبري لشحن الشعور الوطني والقومي والديني ضد الكيان العبري، ليزيد من شعبيته المتدهورة لأسباب عديدة، وبعد أن أصبحت “إسرائيل” البلد المكروه من قبل الغالبية الساحقة من فئات الشعب التركي كافة، الذي يتضامن معظمه مع إيران ولبنان، وبعد أن تجاهل الجميع الحساسيات الطائفية التقليدية لدى بعض الفئات الدينية والقومية التركية.
وهو ما انتبه إليه الرئيس أردوغان بعد أن تحولت إيران “الشيعية” إلى حديث كل الشارع العربي والإسلامي، فأراد أن يخطف الأضواء من جديد عبر خطاباته النارية ضد نتنياهو شخصياً وكيانه الصهيوني.
خاصة بعد أن أثبتت استطلاعات الرأي، أن غالبية الشعب التركي بات يكره ويحقد على هذا الكيان، بل حتى اليهود عموماً بسبب مجازرهم في غزة ولبنان وإيران، التي يتمنى الكثيرون للرئيس أردوغان أن يكون إلى جانبها، باعتبار أن ذلك سيكون الوسيلة الوحيدة لمواجهة الخطر الصهيوني المدعوم من أمريكا وحلفائها الإقليميين والدوليين.
وكل ذلك بعد أن تحولت إيران إلى نموذج للوطنية والشجاعة الرائعة في معاداة الصهيونية العالمية والإمبريالية، والتي بات الشعب التركي بمعظمه يطالب أردوغان بأن يقتدي بهذه الدولة الجارة التي ضحت بالكثير، ولكنها تحدّت وصمدت في وجه أعدائها وأعداء كل شعوب المنطقة، والتي باتت تعرف جيداً أن الانتصار لا ولن يتحقق بالقول فقط، بل بالعمل الحقيقي والجاد الذي أثبتت من خلاله إيران أنه الوحيد الذي سيقضي على الكيان العبري الصهيوني عاجلاً كان أم آجلاً، وشريطة أن تؤمن كل الشعوب العربية والإسلامية بذلك، وتقف إلى جانب الشعب الإيراني الذي أرعب الصهاينة وأسيادهم في الغرب الإمبريالي، إلا أنه كسب قلوب الملايين من شرفاء العالم الذين تعلموا الكثير من صمود هذا الشعب العظيم.



