الموازنة التشغيلية تواجه صعوبات مالية في الأشهر القادمة

لتراجع الإيرادات النفطية
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
في ظل التصعيد الإقليمي الناتج عن العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما تبعه من تداعيات خطيرة تمثلت في إغلاق مضيق هرمز وتعطل ثلث إمدادات الطاقة العالمية، دخل العديدُ من الدول في حالة استنفار اقتصادي، ويبرز العراق في مقدمة الدول الأكثر تأثراً، نظراً لاعتماده شبه الكلي على العائدات النفطية في تمويل موازنته العامة، وخاصة بند الرواتب والنفقات التشغيلية.
وبحسب بيانات وزارة النفط الاخيرة، بلغت صادرات العراق من النفط الخام والمكثفات خلال شهر آذار الماضي نحو 18 مليوناً و604 آلاف و951 برميلاً، محققة إيرادات تقارب ملياراً و957 مليون دولار، وتوزعت هذه الصادرات بين 14 مليوناً و561 ألفاً و534 برميلاً من حقول وسط وجنوب العراق، إضافة إلى مليون و271 ألفاً و200 برميل من إقليم كردستان عبر ميناء جيهان التركي، فضلاً عن مليونين و772 ألفاً و217 برميلاً من نفط كركوك عبر الميناء ذاته.
ورغم هذه الأرقام، يرى مختصون في الشأن المالي أن” الإيرادات الحالية لا تعكس استقراراً اقتصادياً حقيقياً، بل تكشف عن هشاشة بنيوية في الاقتصاد العراقي، إذ تشير التقديرات إلى أن العائدات النفطية المحققة لا تكفي لتغطية رواتب الموظفين التي تتطلب شهرياً نحو 8 تريليونات دينار، ما يضع الحكومة أمام فجوة مالية متزايدة، مؤكدين أن الإنتاج النفطي تراجع إلى نحو مليون و400 ألف برميل يوميا، بعد أن كان عند حدود 4 ملايين و300 ألف برميل يوميا مسببًا خسارة تقدر ما بين 80 و85% من مستوى الإنتاج، مع خسائر مالية يومية تتراوح بين 250 و300 مليون دولار.
ويحذر خبراء من أن الاقتصاد العراقي بات أقرب إلى “اقتصاد رواتب”، حيث تتركز غالبية الإنفاق الحكومي على تغطية الالتزامات التشغيلية، دون تحقيق تنمية إنتاجية مستدامة، مؤكدين أن هذا النمط يعكس خللاً هيكلياً عميقاً، يجعل البلاد عُرضة للتقلبات الخارجية، سواء من حيث أسعار النفط أو تعطل سلاسل التصدير.
ومع استمرار التوترات الإقليمية، قد تجد الحكومة نفسها مضطرة للجوء إلى أدوات تمويلية مثل الاقتراض الداخلي أو الإصدار النقدي، وهو ما قد يفاقم الضغوط التضخمية ويهدد الاستقرار النقدي، كما أن الاعتماد المفرط على النفط يضع خزينة الدولة أمام مواجهة مخاطر متزايدة، خصوصاً في حال استمرار تراجع الصادرات النفطية بسبب الحرب.
وفي ذات السياق أكد النائب مرتضى علي الساعدي في حديث لـ”المراقب العراقي” أن ” التخوف من أزمة مالية بسبب الحرب وتداعيات إغلاق مضيق هرمز تستدعي إجراءات حكومية فورية وإصلاحات هيكلية حقيقية لمنع تأثيرها على رواتب الموظفين والمشاريع الخدمية”.
وأوضح أن ” هذه الحرب هي ليست السبب الرئيس في القلق على رواتب الموظفين والنفقات العامة، بل هي نتيجة تراكمات استمرت لسنوات، بسبب الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، مقابل ضعف تنويع مصادر الدخل وتراجع الإيرادات غير النفطية”.
وأضاف أن “استمرار هذا النهج سيزيد الضغوط على الموازنة العامة، ما لم يتم التحرك سريعاً لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وضبط النفقات التشغيلية، وتأمين رواتب الموظفين بوصفها أولوية قصوى للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وعدم تأثرها بأي أزمة”.
وشدد على أن ” مواجهة الأزمة الحالية تتطلب إرادة سياسية واضحة لمحاربة الهدر والفساد المالي، وتعزيز الشفافية في إدارة المال العام، إلى جانب دعم القطاعات الإنتاجية، ولاسيما الصناعة والزراعة، لتخفيف الضغط على الخزينة العامة وخلق موارد مالية مستدامة”.
ويقف العراق اليوم أمام اختبار اقتصادي صعب، يتطلب تحركاً عاجلاً لإعادة هيكلة اقتصاده، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط، لتجنب أزمة مالية قد تكون الأشد منذ سنوات.



