الحق والكلمة.. دعم فاعل وفوز متبادَل

في رحلة الإنسان وتوالي السنين، وسقوطها من شجرة العمر، تمرُّ به أحداث لا حصر لها، وكثير منها عليه أن يُبدي رأيه فيها، وأن يُطلق كلمة تعبّر عن موقفه حيالها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالحق، لأن الله تعالى والدين والأحكام كلها والثوابت تطالب الإنسان أن ينتصر للحق، وأن يدعمه عبر الفعل والعمل، وإن لم يستطع فعبر اللفظ والكلمة.
للكلمة تأثيرها الذي يفوق أحيانا في نتائجه تأثير السلاح الحربي، ولذلك قيل الكثير عن التأثير الهائل الذي تتركه الحرب النفسية والإشاعات في هزيمة الأعداء، وهذا شيء مجرَّب سابقا ومعروف أيضا في عالم اليوم، كذلك هنالك تأثير إيجابي فعال للكلمة، ويمكنها أن تقرّب المسافات بين الغرماء ويمكن أن تباعد فيما بينهم أيضا.
فقد جاء في قول لأحد العلماء (لن يستطيع العلم الحديث اختراع مهدئ للأعصاب أفضل من الكلمة اللطيفة التي تقال في اللحظة المناسبة)، هذا على المستوى الإيجابي، ويمكن أن يكون مفعولها مأربا على المستوى السلبي، لدرجة أن حضرة الإنسان نفسها يمكن أن تكون معلّقة على كلمة كما يقول المفكر محمود مصطفى: (إن حضارة الإنسان وتأريخه ومستقبله.. رهن كلمة صدق وصحيفة صدق وشعار صدق.. فبالحق نعيش، وليس بالخبز وحده أبدا).
ولذلك أكّد علماؤنا الأجلاء على دور الكلمة في ترصين الحقّ ودعمه لمناهضة الباطل والتفوق عليه ، إذا أراد الناس للحق أن ينتصر وللحياة أن تمضي إلى أمام وتتقدم، وهذا يدعو الإنسان أن يقول كلمة الحق، ولا يتردد في ذلك، لأن الله تعالى طلب منه ذلك والدين وجّهه نحو ذلك، وانتصار الحق موقوف على التمسك بكلمة الحق، حتى لو كان القائل يتصوَّر بأن كلمته لا تُجدي نفعا وأن رأيه لا يغيّر شيئا.
من يترك الحق سيتنازل عن حياته
وفي كل الأحوال يجب أن يقول الإنسان كلمته في الحق، ولا يتقاعس ولا يتردد في ذلك، ولا يبحث عن التبريرات والأعذار لكي يتهرّ من مسؤولية قول كلمة الحق، فهناك من يعرف الحق تماما ويشيحُ بوجهه عنه، أو يلتزم الصمت، أو يكون بلا موقف ويترك الباطل يستقوي على الحق، وهذا أمر غير مقبول ولا مستساغ، فمن يترك الحق قد يترك حياته في مهب الشرّ.
لذلك عليك أنت أيها الإنسان أن تقول كلمتك الرادعة للباطل، والمؤازِرة للحق، وحين تقوم بما ينبغي ويترتّب عليك، تكون قد حصلت على العذر، لأنك لم تلتزم الصمت، ولم تهادن الباطل، واصطففت إلى جانب الحق ونصرته، لذلك لابد من أن تقول كلمة الحق حتى لو كانت بالضد من مصالحك، أو أنها تعود عليك بمواقف ونتائج ليست في صالحك، لأن الحق هو الصالح الذي لا يمكن أن يتساوى مع الباطل، ولا يمكن أن يهادنه أو يقبل به.
فإذا قلت كلمتك في طريق الحق، فإنك في يوم القيامة تحصل على العذر الذي يخلّصك من تداعيات الوقوف في صف الباطل، وأن الله تعالى سوف يخلي ذمّتك، لأنك قلت كلمتك في طريق الحق، لذا مطلوب من الجميع أن يتشبثوا بالحق وينصروه.
ولابد أن نعرف أن الكلمة وأسلوب أو طريقة قولها، ينتج عنها تأثير كبير في الآخر، وتكون النتائج كبيرة، لاسيما إذا كانت تصطف إلى جانب الحق، وهناك أمثلة وشواهد كثيرة وكبيرة تدل على المدى المؤثر والكبير للكلمة في الآخر، وهناك قول معروف في ثقافات الشعوب يقول (يمكننا التخلص من صديق بكلمة واحدة، لكن ألف كلمة لا تكفي لاكتسابه)، وهذا يؤكد أهمية الكلمة والأسلوب الذي تُقال من خلاله.
القدرة الهائلة للكلمة المقروءة والمنطوقة
وأيضا هناك قدرة هائلة للكلمة على مساندة الحق، ومؤازرته، وجعله في موقع متسيّد ومتقدم دائما، لاسيما عندما يتعلق الأمر في قضية إثبات الحق، وكونه الأقوى والأعلى دائما، فـ (الحق يُعلو ولا يُعلى عليه)، والحقائق كلها والشواهد الكثيرة تؤكد ذلك، وتشي بالقدرة الهائلة للحق إذا ما كانت الكلمة القوية الصادقة تقف إلى جانبه سواء بمعانيها أو بأسلوب قولها.
قدرات الكلمة المقروءة والمنطوقة
ومن محاسن الحياة أننا كمسلمين، نمتاز بالقدرة على صياغة الكلمات المؤثرة بالآخرين، عبر ما نمتلكه من البيان والبلاغة، حيث تتوفر بيننا هذه القدرات الهائلة عبر وجود العلماء والمختصين سواء في علم اللغة والكلمة والبيان من ناحية، أو في مجال البيان والقدرة الكبيرة على التصوير بالكلمات ومضاعفة تأثيرها من جهة أخرى.
لهذا فإن الجميع مطالَبون بأن يُطلقوا طاقاتهم الكبيرة والمتميزة في هذا المجال، فالكلمة لها آفاقها العظيمة في التأثير، ولها قدراتها التي لا تحدّها حدود، لاسيما في قضية مؤازرة الحق، ودحض الباطل ودحره، مستخدمين في لك قدراتنا المعروفة وإمكاناتنا الهائلة سواء في الإثبات أو في الإفهام أو في الإقناع، والانتصار للحق بصورة مستدامة.
حيث يمكن لنا أن نكشف عبر الكلمة الدقيقة والمعبّرة عن الحقائق التي قد لا يقتنع بها بعض مؤازري الباطل والمصطفين معا ضد الحق، لهذا نحن بحاجة كبيرة إلى الطاقات القادرة على الإقناع، من خلال الشواهد والثوابت والدلائل والأسانيد، والتحليل الذي يستند إلى منطق الأمور، بحيث لا يبقى هناك ثغرة ما يتسلل منها المشكّكون وصانعو حملات التضليل والتزييف.
ولا ينحصر الأمر بالكلمة المكتوبة وحدها، فالنطق، وإظهار الكلمات عبر وسيلة الصوت، واللفظ باللسان، لها أيضا تأثيرها الفاعل والحاسم في معادلة الكلمة والحق، بمعنى نحن أيضا بحاجة كبيرة إلى اللسان الصحيح، المقتدر، الذي يتم استخدامه بالشكل الصحيح الذي يؤازر الحق وينتصر له، ويفضح الباطل ويحاربه بقوة البيان وقوة اللفظ ودقّته وصدقه واستناده إلى الثوابت والشواهد عند القول، حتى يتحقق شرط الإقناع عند الآخر الذي تم تضليله من خلال تزييف المعلومات والمواقف، لذا مطلوب شحذ الههم وتدريب اللسان واستخدامه في قوة الكلمة.



