المفاوضات فشلت وبات التلويح بالمجرب

د. ادريس هاني..
لم يكن وقف إطلاق النار مطلباً إيرانياً، بل كانت تلك هي رغبة ترامب عبر الوسطاء، كما لم تكن غايته حقن دماء المدنيين، وقد تفوّق العدوان في استهدافهم غير عابئ بكل المواثيق الدولية. والحقيقة هي أن ذلك كان فقط محاولة لجس النبض، لا سيما وقد شهدت فترة المفاوضات تحشيدا لقوات وعتاد حربي يعزز احتمال نشوب جولة جديدة من التصعيد، لأن الوفد الأمريكي كان يحاول فرض شروط الغالب في إسلام اباد وليس كطالب هدنة. لقد فشلت المفاوضات، ولم يبقَ هناك من خيار سوى التصعيد، وهذا يعني تجريب المجرب.
ومع ذلك، تعج الصحافة الصفراء بالثرثرة، بينما المحتوى كالعادة هزيل، لا سيما عند الحديث عن القانون الدولي، وما يجوز وما لا يجوز، بعد أن خرق العدوان كل المواثيق واستند إلى البروباغاندا وتأريخ من الكذب. الفرق بين العلم والجهل في الميديا العربية لم يحسم بعد؛ ظل مسلسل الزيف طويلا.
ليس أمام رواد التطرف والتبعية في هذا المشهد سوى ندبة الحظ العاثر وابتغاء الأمور عوجا، فالقضية هي اليوم أكبر من كونها مجرد غياب الرشد، بل هي وضعية مسخ مقنع، يصعب معه تحقيق الرؤية من دون أخطاء بارالاكس. ففي معركة تخوضها الإمبريالية في ذروة حماقتها والاحتلال في ذروة إجرامه، ليس إلا الصحافة العربية الصفراء من يتشبث بالكذب الكلاسيكي.
لقد أربك الصمود الإيراني المعادلة الإقليمية والدولية، ما جعل كلفة تخدير الرأي العام الدولي باهظة. إن كان هناك هدف من تكرار التصعيد، فهو فقط محاولة للدفاع عن مكتسبات سنوات من تحريف الحقيقة، وهذا أسوأ من الاعتراف بخسارة معركة.
يخلو الخط التحريري لصحافة صفراء – وظيفتها هي حماية تأريخ من الزيف- من أية صفة منطقية.
في المفاوضات الأخيرة، حضرت شروط تفاوضية واقعية، لعل أهمها إدخال لبنان في قرار وقف إطلاق النار، وهو شرط اتسم بالأولوية لدى المفاوض الإيراني قبل حتى مضيق هرمز، لكنه شرط واقعي. إيران لم تتخلَ عن لبنان، بينما العرب تخلوا عنه. لبنان الذي كان أيقونة الوطن العربي، يتعرض للانتهاك، يدفع ضريبة صموده أمام أخطر أنواع الاحتلالات، استباحة المدنيين، أين العرب من كل هذا؟ ومن المسؤول عن كل هذا؟ ومتى نملك الشجاعة لتحميل الاحتلال كل هذا الوزر؟.
هناك من أثار موضوع غياب شرط غزة في المفاوضات، وكأن إيران تخلت عن غزة، وهي إثارة ليست في محلها، لأن هذه الحرب بدأت أصلا من هناك، من حرب الإسناد، من نسي غزة هم العرب.
لقد شارك العرب بحماسة في هذا الحصار والتشنيع ضد طهران، في الوقت الذي كانت حرب الإسناد في ذروتها. وواضح لو اتخذت طهران الطريق السهل وضمنت عدم تدخلها في الشأن الفلسطيني، لما احتاجت التفاوض على تنظيم عبور مضيق هرمز، بل لكانوا منحوها حق الجندرمة على المنطقة برمتها.
فالسؤال الحقيقي اليوم هو: متى يتخذ العرب القرار الشجاع لإيقاف الاحتلال عند حده؟ متى يمنحون طهران إجازة ويتحملون مسؤوليتهم الجيوستراتيجية تُجاه فلسطين؟ من يا ترى منعهم من ذلك؟.
طبعا الجواب واضح، لكن ما ليس واضحا بما فيه الكفاية، هو أنهم لم ينجزوا مشروعا لذلك؛ هم مشغولون بإيران، انشغالا هوسيا، يستصعبون خطرها، بينما يتجاهلون الاحتلال، تجاهلا غريبا، ويستسهلون خطره، وهم لهذا السبب يتحدثون بهوس مفتعل عن التوسع الإيراني في المنطقة، في وقت لم يسجل على إيران منذ قيام ثورتها أنها احتلت أرضا عربية، غير أن تكييف هذه الفرية يتم عبر إسقاطات فجة، وعبر أسطوانة: احتلال العراق ولبنان وسوريا واليمن وربما قريبا احتلال فلسطين. كل شيء من هذا يفترض متلقيا غبيا، وما أكثر ما أسرف العرب في استغباء أنفسهم، هذا بينما الاحتلال مازال يكشف عن نواياه التوسعية ويلتهم كل ما يجده أمامه.
هنا يتأكد يوما بعد يوم بأن العرب غير معنيين بالسيادة، والاستقلال، والأمن الإقليمي، والمستقبل، بقدر ما هم معنيون ـ فقط وفقط ـ بإثبات حسن السيرة في نادي التبعية.



