العدوان الإسرائيلي – الأميركي على ايران.. قراءة جيوسياسية في الأبعاد الإقليمية والدولية

بقلم: جمال واكيم..
شهد الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التعقيد والتوتر عقب الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة و “إسرائيل” على إيران صباح الثامن والعشرين من شباط فبراير 2026 والذي افتتحته باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من القادة الإيرانيين ليمتد لقصف مواقع ومقار عسكرية إيرانية.
هذا التطور لم يقتصر تأثيره على أطراف الصراع المباشرين، بل امتد ليشمل شبكة واسعة من المصالح والتحالفات الإقليمية والدولية. وقد فتح هذا التصعيد باباً واسعاً للتساؤل حول مستقبل التوازنات في المنطقة، ولا سيما في ظل المخاوف لدى القوى الداعية إلى نظام دولي متعدد الأقطاب من أن يؤدي هذا الصراع إلى تكريس الهيمنة الأحادية وإعاقة صعود قوى آسيوية وأوراسية منافسة.
وقد جاء التصعيد في لحظة كانت المفاوضات النووية تشهد تقدماً نسبياً، ما أثار تساؤلات حول مدى ثقة إيران بالمسار الدبلوماسي. ويبدو أن طهران، رغم إظهارها حسن النية في التفاوض، كانت تدرك احتمال العودة إلى الخيار العسكري، مستندة إلى تجربة الاتفاق النووي السابق الذي انهار بعد انسحاب الولايات المتحدة منه.
ويرى بعض المحللين أن التركيز على البرنامج النووي الإيراني يشكّل ذريعة سياسية أكثر منه دافعاً أمنياً حقيقياً، إذ إن الهدف الأعمق يتمثل في تغيير موازين القوى الإقليمية وإزالة عقبة جيوسياسية تعترض مشاريع الهيمنة في الشرق الأوسط.
أهداف الولايات المتحدة و”إسرائيل”
يمكن فهم الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى ضبط المجال الجيوسياسي للشرق الأوسط ومنع القوى الأوراسية والآسيوية، مثل روسيا والصين، من الوصول نحو البحر المتوسط، وتدمير إيران لجعلها منطلقاً لواشنطن باتجاه آسيا الوسطى التي تعد الخاصرة الرخوة في الأمن القومي الروسي.
ففي هذا الإطار، تنظر الولايات المتحدة إلى إيران باعتبارها الحلقة الجغرافية والسياسية التي تعيق تحقيق هذا الهدف الاميركي، سواء من خلال موقعها الجيوستراتيجي أو عبر تحالفاتها الإقليمية.
أما بالنسبة إلى البعد الإسرائيلي، فالجدير ذكره أن “إسرائيل” لطالما سعت إلى فرض هيمنتها على منطقة المشرق تحت شعار “إسرائيل الكبرى”، وهي حققت “نجاحاً كبيراً” عبر الإطاحة بحكومة الرئيس السوري بشار الأسد إذ سارعت إلى تدمير الجيش السوري واحتلال أجزاء من جنوب سوريا كانت أهمها قمة جبل الشيخ التي تجعل من يسيطر عليها يطل على كامل السهل الممتد من سفوح جبال القلمون غرباً إلى نهر دجلة شرقاً.
بذلك فإن “تل أبيب” باتت تمتلك مفتاح المشرق، وهي بحاجة إلى ضرب إيران حتى تصل الى معلم جيوسياسي في الشرق يتمثل بقمم جبال زاغروس المطلة على سهل دجلة والفرات بما يجعلها تقفل المنطقة أمام أي تدخل من قوة منافسة.
من هنا، تنطلق النزعة الإسرائيلية لتدمير إيران، ليس بسبب امتلاكها برنامجاً نووياً أو صاروخياً بل بسبب موقعها ودورها الجيوسياسي. وبالتالي، فإن العدوان الأميركي- الإسرائيلي المشترك ضد إيران يأتي في سياق مشروع ترسيخ الهيمنة الإقليمية وإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، على أساس رؤية تعتبر أن إزالة القوة الإيرانية أو إضعافها يشكّل شرطاً أساسياً لتحقيق هذا التفوق.
وقد أدى اغتيال المرشد الأعلى الإيراني إلى إضفاء طابع رمزي وديني على المواجهة، إذ يُنظر إلى موقعه لدى الشيعة بوصفه مرجعية دينية عالمية.
وقد أسهم هذا الحدث في تعزيز خطاب “الحرب الدينية”، خاصة مع تداخل العوامل الأيديولوجية في السياسات الأميركية والإسرائيلية، سواء من خلال تأثير التيارات الإنجيلية في الولايات المتحدة أو الرؤى التوراتية التي تحضر في الخطاب السياسي الإسرائيلي.
ويثير هذا التطور مخاوف من اتساع نطاق الاستقطاب الطائفي، خصوصاً إذا امتد الصراع ليشمل الأغلبية السنية في العالم الإسلامي، ما قد يحوّل النزاع السياسي إلى مواجهة دينية أوسع ذات تداعيات عالمية.
البعد اللبناني في الصراع
وفي السياق اللبناني، يتسم الموقف بتعقيد خاص نابع من الطبيعة التعددية للمجتمع. فلبنان يتكوّن من فسيفساء طائفية تشمل المسيحيين والمسلمين السنة والشيعة، إضافة إلى جماعات دينية أخرى. ورغم أن الالتزام بعقيدة “ولاية الفقيه” ليس محل إجماع داخل الطائفة الشيعية نفسها، فإن اغتيال شخصية دينية بهذا الحجم قد يعزز مشاعر التضامن لدى أتباعها، خصوصاً في ظل مفهوم “الشهادة” المتجذر في الثقافة الدينية الشيعية.
إلا أن هذا لا يمكن أن يختصر المشهد، فقرار حزب الله بالدخول في الحرب يأتي في سياق الرد على الاعتداءات الإسرائيلية التي لم تتوقف، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع في تشرين الثاني 2024.
فمنذ وقف إطلاق النار، عملت “إسرائيل” على توسيع رقعة اعتداءاتها ضد اللبنانيين وتدمير مئات القرى الجنوبية في إطار مشروعها لتغيير خريطة الشرق الأوسط، وضمّ منطقة جنوب الليطاني إلى الكيان الصهيوني، والعمل على إقامة كونتونات مسيحية ودرزية مع ضمّ بعض مناطق البقاع والشمال إلى مناطق سورية، علماً أن المشروع الإسرائيلي يتضمن تقسيم سوريا إلى كيانات طائفية.
من هنا، فإن حزب الله كان يعي حقيقة الأهداف الإسرائيلية التي كانت تتم بالتنسيق مع واشنطن التي كانت تمارس ضغوطاً على الحكومة اللبنانية المطعمة بغالبية أعضاء موالية لواشنطن، حتى تقوم الحكومة بنزع سلاح الحزب بغية تهيئة الظروف المناسبة للإسرائيليين لاحتلال منطقة جنوب الليطاني.
والجدير ذكره أن هذه الجهود الإسرائيلية كانت تتم في ظل الحديث عن إمكانية تحريك جماعات مسلحة من سوريا لضرب حزب الله في ظهره في وسط وشمال البقاع. من هنا، فإن دخول حزب الله في الحرب لم يكن فقط بسبب الاعتبار الديني المتمثل بالرد على اغتيال الإمام خامنئي، بل بسبب وعي الحزب لحقيقة المشروع الإسرائيلي الذي يمثّل تهديداً وجودياً للمقاومة وللبنان.
قدرة ايران على الصمود
راهن خصوم إيران على أن اغتيال قيادتها العليا سيؤدي إلى انهيار النظام السياسي، غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن الجمهورية الإسلامية نجحت خلال عقود في بناء مؤسسات قادرة على امتصاص الصدمات.
فقد شهدت البلاد في مطلع الثمانينيات عمليات اغتيال واسعة طالت مسؤولين بارزين، لكنها لم تُفضِ إلى انهيار النظام، مثل اغتيال 73 عضواً في البرلمان الإيراني في حزيران 1982 واغتيال رئيس الدولة ورئيس حكومته في آب 1982.
إضافة الى ذلك، فإن الضغوط المستمرة، بما فيها العقوبات والحروب غير المباشرة، ساهمت في تعزيز تماسك البنية السياسية والاجتماعية، بحيث أصبح النظام أقل اعتماداً على شخص واحد وأكثر ارتكازاً على شبكة مؤسساتية وتنظيمية واسعة. وفي هذا الإطار، جاء انتخاب خليفة للمرشد بعد اغتياله، إضافة إلى تعيين عشرات القادة الجدد بدلاً من الذين اغتيلوا، ليؤكد قدرة نظام الجمهورية الإسلامية على إعادة إنتاج نفسه.
وقد أدى الرد الإيراني عبر استهداف قواعد أميركية في دول عربية حليفة لواشنطن إلى تعقيد المشهد الإقليمي. فمن جهة، تعتبر طهران أن السماح باستخدام أراضي هذه الدول في العمليات العسكرية يجعلها شريكة في العدوان وفقاً لمبدأ الدفاع المشروع في القانون الدولي. ومن جهة أخرى، يكشف هذا التطور عن فجوة بين مواقف الحكومات العربية المرتبطة بالتحالفات الدولية، ومشاعر قطاعات شعبية ترى في المواجهة مع “إسرائيل” والولايات المتحدة صراعاً يتعلق بالسيادة والهوية.
قد يكون هذا ما عزز النزعة الوطنية داخل المجتمع الإيراني نتيجة الضربات الخارجية، إذ يميل كثيرون، حتى من المعارضين للنظام، إلى الاصطفاف خلف الدولة في مواجهة التهديد الخارجي. ويعود ذلك أيضاً إلى الذاكرة التاريخية المرتبطة بفترة حكم الشاه المدعوم غربياً، والتي تُستحضر بوصفها مثالاً على مخاطر التبعية السياسية.
ويشكل مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية بيد إيران، نظراً لمرور نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية عبره. وقد أدى التوتر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز وزيادة الضغوط التضخمية على الاقتصادات الغربية، ما يحدّ من قدرتها على خوض صراعات طويلة الأمد.
في الوقت الذي يدور فيه الصراع، يبدو أن القوى الأوروبية تحاول النأي بنفسها عن الصراع الدائر في المنطقة. في المقابل، فإن روسيا والصين اللتين تعتبران مستهدفتين بالعدوان على ايران، فهما تسعيان إلى دعم صمود إيران دبلوماسياً، انطلاقاً من إدراكهما أن إضعافها سيؤثر في التوازن الاستراتيجي في أوراسيا.
ومع ذلك، تبقى احتمالات تدخلهما العسكري المباشر ضعيفة، خشية الانزلاق إلى مواجهة عالمية واسعة النطاق.
ويظهر التصعيد الأخير، أن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد مجرد نزاع إقليمي محدود، بل أصبح ساحة لتقاطع مشاريع جيوسياسية كبرى تتعلق بإعادة تشكيل النظام الدولي.
وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تكريس الهيمنة الأحادية، تراهن روسيا والصين على تعزيز التعددية القطبية. وفي هذا السياق، يبدو أن قدرة إيران على الصمود، واستمرار التوازنات الهشة في المنطقة، سيبقيان عاملين حاسمين في رسم ملامح المرحلة المقبلة في منطقة الشرق الأوسط لجهة منع وقوع المنطقة تحت الهيمنة الصهيونية والدفع قدماً باتجاه قيام نظام دولي متعدد الأقطاب على حساب الهيمنة الأميركية.



