اراء

كلفة الصمود وكلفة الاستسلام

بقلم: عماد الحطبة..
قبل بدء العدوان الأميركي بأيام، أبدى المبعوث الخاص ستيف ويتكوف ورئيسه استغرابهما من عدم استسلام إيران، رغم الحشود العسكرية الأميركية الضخمة التي لم يسبق لها مثيل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
بعد بدء العدوان بيومين، أعلن الرئيس الأميركي أن القادة الجدد في إيران يبدون استعداداً للتفاوض، لكن كثافة الصواريخ التي انهالت على القواعد الأميركية وعلى الكيان بدّدت هذا التصريح، لتعود الإدارة الأميركية للحديث عن رسائل وجّهتها إيران إليها، رغبةً منها في الذهاب إلى مفاوضات، الأمر الذي نفته الحكومة الإيرانية، وتأكد النفي على لسان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.
خلاصة الحديث، الولايات المتحدة راغبة في العودة إلى طاولة المفاوضات، وتحاول أن تجعل الأمر يبدو وكأنه يأتي بناء على استعداد إيراني لتقديم تنازلات، والرضوخ للشروط الأميركية. هذه الرغبة الأميركية ناجمة عن تصاعد الإدراك الأميركي بأن هذه الحرب لن تحقق الهدف المرجو منها، على ضوء النتائج التي برزت خلال الأيام الأولى والتي تشير إلى قدرة إيرانية على استيعاب الضربة الأولى والرد بشكل قوي وموسع، يرجح أن النتائج على الولايات المتحدة وحلفائها ستكون كارثية، بغض النظر عن حجم الدمار الذي يمكن أن تحدثه قوتها الغاشمة داخل إيران.
الإشارات الأميركية قابلها تصلب إيراني، يستغربه كثير من المحللين السياسيين. الواضح أن إيران غير مستعدة لتقديم أي تنازل، وأن الحرب، كما أشار الإمام الشهيد علي خامنئي، ستكون واسعة وإقليمية حاسمة، لتكون الحرب الأخيرة في سلسلة الحروب التي تستهدف الثورة الإيرانية منذ عام 1979.
تدرك إيران أن لا شيء لديها لتخسره، فهي تخضع للحصار والعقوبات، وتتعرض للحروب والقلاقل الداخلية الممولة من الخارج. لقد استطاعت الثورة تثبيت نظامها السياسي في ظل أزمة وضغط خارجي على مدى 47 عاماً من عمرها، لكن هذه الضغوط أدت إلى تعطيل جزء مهم من قدراتها النهضوية، بل ودفعتها نحو مجموعة من الأزمات المعيشية التي حاول العدو استغلالها لإحداث حالة من الفوضى في الداخل الإيراني. كما تدرك إيران أن صمودها وكسر شوكة العدوان يؤديان إلى ترسيخ معادلة استراتيجية جديدة هي “الأمن والازدهار للجميع أو لا أحد”.
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، كل يوم يمضي من هذه الحرب يؤدي إلى مزيد من الخسائر التي لم تكن بالحسبان. الحديث هنا ليس عن مليار دولار تشكل التكلفة اليومية للحرب حسب وزارة الدفاع الأميركية، لكن الأهم هو الخسائر التي يتكبدها الحلفاء وخصوصاً دول الخليج. التكلفة المباشرة للحرب تستنزف القدرات المالية لهذه الدول، كما أن إغلاق مضيق هرمز يحرم هذه الدول من بيع النفط والغاز، وهو ما حدث مع قطر، وجزئياً مع شركة أرامكو السعودية، وأخيراً فإن تعطل النشاطات الاقتصادية سواء الخدمية أو التجارية أو المالية يؤدي إلى تراجع مهم في إيرادات هذه الدول.
هذه الإيرادات كان يعاد توظيفها في الاقتصاد الرأسمالي، وبشكل خاص سوق السندات والأسهم، إذ تعتبر المصدر الأهم في سوق أسهم الذكاء الاصطناعي. المتأمل في هذه السوق، يجد أن ارتفاع أسعار أسهم شركات الذكاء الاصطناعي يحصل بسبب زيادة الطلب عليها من خلال الصناديق السيادية والمستثمرين الأجانب، من دون أن ترتبط هذه الزيادة بإنجازات حقيقية على مستوى المنتجات أو الأرباح. أي أن فقاعة شركات الذكاء الاصطناعي تشبه “هيكل بونزي” حيث يتم استدراج المستثمرين الجدد من خلال تقارير تنبؤات مالية متفائلة، وأحاديث عن اختراقات تقنية لم تتحقق.
إذا رجعنا إلى أداء سوق الأسهم الأميركية ليومي 6 و7 آذار، سنجد أن السوق خسرت في اليوم الأول 805 مليار دولار، وفي اليوم الثاني 700 مليار دولار، أي ما مجموعه 1.5 تريليون دولار، وأن هذه الخسارة كانت بشكل أساسي على حساب شركات تقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي، فقد خسرت شركة غوغل (ألفابت) 1.9% من قيمتها، وشركة نفيديا 3%، وأمازون 3.5%، ومايكروسوفت 3.5%، ميتا 2.7%، واوراكل 7% من قيمتها. جاءت هذه الخسائر بعد يوم واحد من إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، واستهداف ناقلة نفط أميركية قبالة السواحل الكويتية.
أما بالنسبة إلى الخسائر المباشرة لدول الخليج، فقد أورد تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” مثالاً عن صاروخ باليستي إيراني تكلفته مليون دولار تم التصدي له بأحد عشر صاروخاً من أنظمة الاعتراض المختلفة تتجاوز تكلفتها 100 مليون دولار. تشكل هذه الأرقام الدافع الرئيس للاستعانة بأوكرانيا في مجال استخدام المسيرات الاعتراضية والتي لا تتجاوز كلفتها 100 ألف دولار. يضاف إلى ما سبق أن كلفة إعادة الإعمار واستعادة ثقة المستثمرين ستؤدي إلى انخفاض كبير في التدفقات النقدية إلى خزائن هذه الدول.
الولايات المتحدة والدول الرأسمالية لديها الكثير لتخسره في هذه الحرب بغض النظر عن نتائجها، وهذه الخسائر ستتحول إلى كوارث اقتصادية في حال طال أمد الحرب، إذ يتوقع ارتفاع سعر برميل النفط ليتجاوز 100 دولار، الأمر الذي يصب في مصلحة روسيا بشكل أساسي، وهو ما تبدى في سماح الولايات المتحدة للهند باستيراد النفط الروسي حتى نهاية شهر آذار الحالي. كما أن تراجع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي سيعطي الصين الفرصة لتوسيع الهوّة التقنية مع الدول الرأسمالية وبشكل خاص الولايات المتحدة.
في ظل هذه المعطيات نستطيع فهم الاندفاع الأوروبي: البريطاني -الفرنسي -الألماني لدعم جهود الولايات المتحدة العسكرية، سواء بإرسال الطائرات إلى الدول الخليجية، أو فتح قواعدها في المنطقة للطائرات الأميركية المشاركة في العدوان، أو حديث دول “الناتو “عن زيادة إنتاج الصواريخ الاعتراضية وأسلحة الدفاع الجوي التي تشكل الثغرة الرئيسة في جدار العملية الأميركية – الصهيونية.
خسائر العدو المباشرة وغير المباشرة أكبر من خسائرنا، ونحن بصمودنا ندافع عن استقلالنا وقدرتنا على استغلال مواردنا لتحقيق تنمية حقيقية، لذلك تصمد إيران في هذه الحرب، ويدخل حزب الله والمقاومة العراقية، وقريباً أنصار الله بصفتهم جزءاً من حلف يضع كل إمكانياته في محاولة لاستغلال فرصة، قد تكون الأخيرة، لتغيير قواعد الاشتباك بين محوري المقاومة والعدوان، لتكون هذه الحرب الأخيرة في سلسلة الانهيار، والأولى باتجاه النصر النهائي. لا مبرر لمتخاذل ولا لمشكك علينا جميعاً أن نخوض هذه الحرب كل بما يمكنه لنستحق الانتصار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى