اخر الأخباراوراق المراقب

المجالس الرمضانية.. حين تتحول الضيافة إلى دبلوماسية تصنع الوئام المجتمعي

مصطفى ملا هذال..

تكون الزيارات الاجتماعية في شهر رمضان المبارك كثيفة نوع ما، ما يعطي هذه المجالس بعداً إنسانياً آخر لما يتمتع فيه الشهر الفضيل من جوانب روحية ودينية، إذ يتمثل هذا البعد في تأدية هذه المجالس وظيفة الدبلوماسية الاجتماعية لتحقيق الوئام المجتمعي وترسيخ قيمة وأهمية التواصل الاجتماعي.

تتجلى هذه الدبلوماسية في صورة الاجتماعات الدورية التي تتبادل الحوارات العميقة حول الشؤون السياسية والاجتماعية، حتى تتحول هذه النقاشات الى تبادل لوجهات النظر والآراء العميقة حول الكثير من القضايا التي تهم المجتمع بصورة عامة تارة، والأفراد المجتمعين بصورة خاصة تارة أخرى.

هذه المجالس التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد لقاءات اجتماعية تقليدية، تؤدي في الواقع دوراً يتجاوز الضيافة واللقاءات الودية لتشكل ما يمكن تسميته بـدبلوماسية المجالس الرمضانية، دبلوماسية غير رسمية تسهم في ترسيخ الوئام المجتمعي وتعزيز التماسك بين فئات المجتمع.

شهر مضان بطبيعته يهيئ المناخ النفسي والاجتماعي للحوار الهادئ، فالناس في هذا الشهر أكثر ميلاً للتسامح، وأكثر استعداداً للاستماع إلى الآخر؛ لذلك تصبح المجالس الرمضانية منصات مفتوحة يلتقي فيها أفراد المجتمع على اختلاف انتماءاتهم المهنية والاجتماعية والفكرية، من دون بروتوكولات رسمية أو حواجز نفسية.

هذه الدبلوماسية الاجتماعية تقوم على مبدأ بسيط لكنه عميق، حيث يشكل اللقاء المباشر أداة لتبديد صروح سوء الفهم، فكم من خلاف أو توتر بين أشخاص أو عائلات أو حتى مؤسسات يمكن أن يُحل عبر جلسة ودية في مجلس رمضاني، يتخللها الحديث الصريح والنقاش الهادئ.

وفي مجتمعاتنا التي تقوم على الروابط الاجتماعية والعائلية القوية، يصبح لهذه اللقاءات تأثير كبير في إعادة بناء الجسور التي قد تتصدع بفعل الخلافات اليومية أو التباينات الفكرية.

كما تسهم المجالس الرمضانية في تعزيز رأس المال الاجتماعي للمجتمع؛ ذلك بما تحتويه من بين كبار السن والشباب، وبين أصحاب الخبرة والجيل الجديد، مما يسمح بتبادل التجارب والمعرفة، وفي كثير من الأحيان تتحول هذه المجالس إلى منصات غير رسمية لتداول الأفكار والمبادرات المجتمعية، سواء كانت مبادرات خيرية أو مشاريع تطوعية أو حتى أفكاراً لتطوير الواقع المحلي.

ومن زاوية أخرى، تلعب المجالس الرمضانية دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر بين النخب المجتمعية، فالسياسيون، والأكاديميون، والإعلاميون، ورجال الأعمال، يلتقون في هذه المجالس ضمن إطار اجتماعي بعيد عن التنافس أو الصراع، إذ يخلق هذا التفاعل بطبيعته فرصة لفهم أعمق لوجهات النظر المختلفة، ويسهم في تخفيف حدة الاستقطاب التي قد تفرضها الحياة العامة.

وفي مجتمع كالمجتمع العراقي الذي مرَّ بتحولات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، تكتسب هذه المجالس أهمية مضاعفة، فهي تمثل صمام أمان اجتماعي يساعد على احتواء التوترات وإعادة توجيه الحوار نحو القواسم المشتركة بدلا من نقاط الخلاف، فحين يجلس الناس حول مائدة الإفطار أو في جلسة رمضانية، فإن القيم المشتركة مثل الاحترام والتسامح والتكافل تصبح هي الإطار الذي ينظم الحوار.

ولا يقتصر أثر هذه المجالس على النخب أو الوجهاء، بل يمتد إلى عموم المجتمع، فالمجالس الشعبية في الأحياء، ولقاءات الأصدقاء كلها تسهم في تعزيز الشعور بالانتماء المشترك، كما ان هذه اللقاءات البسيطة تخلق شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية التي تعزز الثقة بين الناس، وهو عنصر أساسي لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى