هل تترك الصين إيران وحيدة في مواجهة العدوان الأميركي الإسرائيلي عليها؟

بقلم: تمارا برو..
تقف منطقة الشرق الأوسط على شفا حرب إقليمية نتيجة العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران الذي أدى إلى اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد على خامنئي وعدد من كبار القادة الإيرانيين. وبسبب الهجمات العسكرية الأميركية الإسرائيلية على إيران، ردت طهران بإطلاق مئات الصواريخ والمسيرات باتجاه القواعد الأميركية في المنطقة وعلى “إسرائيل” لتتوسع بعدها العمليات العسكرية وتطال لبنان.
دقت العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، والخشية من الانزلاق إلى حرب إقليمية في المنطقة، ناقوس الخطر في العالم، وخاصة أن الأمر بدأ يتعلق بأمن الطاقة، وهناك في أقصى الشرق تراقب الصين التطورات بقلق بالغ نظراً لمصالحها الكبيرة ليس فقط في إيران، بل أيضاً في دول الخليج، وهي التي عملت خلال السنوات الأخيرة على تعزيز السلم والاستقرار في المنطقة، وتجسد ذلك عام 2023 بالمصالحة الإيرانية السعودية.
خلال المفاوضات غير المباشرة التي كانت تجري بين إيران والولايات المتحدة الأميركية قبل العدوان الأميركي الإسرائيلي عليها، صرّح أحد كبار مسؤولي إيران أن طهران لن تسلّم السيطرة على مواردها النفطية والمعدنية للولايات المتحدة الأميركية، لكن بالمقابل يمكن للشركات الأميركية المشاركة كمتعاقدين في حقول النفط، وبالتالي يفهم من هذه التصريحات طمع واشنطن بالسيطرة على النفط والموارد المعدنية الإيرانية كما حصل في فنزويلا.
وبمناسبة ذكر هذا البلد الجنوب أميركي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن سيناريو فنزويلا الأفضل لنقل السلطة في إيران، بمعنى ليس إسقاط النظام، بل إضعافه والتحكم فيه والسيطرة على الموارد الطبيعية للبلاد، وإبعاد طهران عن منافسي الولايات المتحدة الأميركية، ولا سيما الصين، إذ إنه بعد إطاحة الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، تولت واشنطن السيطرة على النفط الفنزويلي وموارد البلاد الطبيعية، وطلب ترامب من الرئيسة المؤقتة، ديلسي رودريغيز، الابتعاد عن الصين.
وبعد وقف إطلاق النار بين إيران و”إسرائيل” عام 2025 قال ترامب أنه يمكن للصين أن تستمر في استيراد النفط من إيران، وهدد مراراً بفرض رسوم جمركية على الدول التي تشتري النفط من طهران تصريحات ترامب هذه كانت كفيلة بالاستنتاج أنه سيعمل على منع تدفق النفط إلى الصين لإضعاف قدراتها الاقتصادية والصناعية.
ومن ناحية أخرى، يعمل ترامب على تكوين التحالفات في مجال المعادن النادرة بهدف تقليص سيطرة الصين عليها، ولدى ترامب قلق من سيطرة الصين على معادن إيران النادرة. من هنا يقودنا الاستنتاج إلى أن الهدف المعلن للعدوان على إيران كما صرّح ترامب منعها من امتلاك الأسلحة النووية، ولكن الهدف المضمر للولايات المتحدة هو إبعاد إيران عن الصين، وخاصة أن ترامب يعمل على ردع الصين في مختلف دول العالم، بدأ بالبيرو وفنزويلا وغرينلاند وكندا، والآن العدوان على إيران، ولا سيما في ظل تنامي العلاقات بين طهران وبكين التي تستورد أكثر من 80% من النفط الإيراني بأسعار مخفضة، وما يمثل نحو 13 إلى 15 % من إجمالي واردات الصين من النفط الخام. وتربط الصين وإيران شراكة استراتيجية شاملة لمدة 25 سنة باستثمارات صينية بقيمة 400 مليار دولار أسست عام 2016 خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للبلاد.
كما أن إيران بوابة الصين نحو الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا وهي الدولة التي تتمتع معها بعلاقات وثيقة لمواجهة الهيمنة الأميركية في المنطقة، بعد أن خسرت سوريا بسقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، وبالتالي خسارة طهران، ستشكل ضربة قاضية لبكين لا يمكن تعويضها.
وإزاء الخسائر المحتملة للصين من جراء فقدان شريك أساسي لها، هل ستتدخل الصين لمساعدة إيران؟ وإذا كان كذلك، فكيف سيكون شكل هذا الدعم؟
تُظهر أغلب المقالات الغربية أن الصين لن تتدخل في العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، بل ذهبت أبعد من ذلك، إذ اعتبرت أن بكين مستفيدة من هذه الحرب لصرف الانتباه الأميركي عن تايوان وبحر الصين الجنوبي. وبعض المحللين اعتبر أن النفط الإيراني يشكل 13 % من مجموع واردات الصين من النفط وبالتالي يمكن تعويضه من دول أخرى، كما أن الصين تعتمد بشكل أساسي على الطاقة المتجددة، وعليه فإن العدوان الأميركي على إيران لا يستدعي تدخل الصين.
من غير المرجح أن ترسل الصين قوات عسكرية أو تنخرط مباشرة في أي صراع، لكن ذلك لا يعني أن بكين ستقف مكتوفة الأيدي إزاء انهيار مصالحها في المنطقة. صحيح أن بكين لن تواجه الولايات المتحدة الأميركية عسكرياً، إلا فيما يتعلق ببحر الصين الجنوبي أو تايوان، إلا أنها تدعم طهران بطرق غير مباشرة.
تسعى الصين حالياً، وفي الدرجة الأولى، إلى وقف الحرب وتجنب امتدادها لتشمل دول الخليج، ما يؤثر على أمن الطاقة. وبعد تعرض عدد من منشآت الطاقة في منطقة الخليج، ومنها قطر، لهجمات عسكرية، أعلنت شركة قطر للطاقة تعليق إنتاج الغاز الطبيعي. وفي ظل تصاعد التوتر في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نصف واردات الصين من النفط الخام الآتية من الشرق الأوسط، من المحتمل أن اتصالات تجري بين بكين وطهران لتجنب أي عمل من شأنه أن يعرقل صادرات الغاز القطري، إذ إن للصين عقوداً طويلة الأجل مع قطر فيما يتعلق بالغاز الطبيعي المسال، أو شحنات الطاقة الأخرى التي تعبر المضيق نحو الصين.
ليس من مصلحة الصين حصول اضطراب في مضيق هرمز، لأن ذلك سيلحق صدمة قوية ببكين، ومن المحتمل أن ترتفع أسعار النفط ما بين 100 و130 دولار للبرميل، ومثل هذا الارتفاع سيؤثر سلباً على القاعدة الصناعية الصينية وأهداف النمو في هذه المرحلة الاقتصادية الحساسة.
تدرك بكين أنه إذا سقط النظام في إيران، أو تم انتخاب مرشد أعلى قريب من الولايات المتحدة الأميركية، يعني بتر ذراع الصين في الشرق الأوسط والسيطرة الأميركية على منابع النفط في إيران وعلى مضيق هرمز، وبالتالي يمكن لواشنطن أن تستخدم هذين الملفين كورقة ضغط على بكين.
ومن جهة أخرى، خسارة الصين للنفط الإيراني تعني شراءه من مصادر أخرى بأسعار أعلى مما كانت تشتريه من إيران، وتكون بذلك خسارتها الثانية بعد أن خسرت نفط فنزويلا.
تفيد التقارير بأن الصين عملت بعد حرب الـ12 يوماً على تعزيز قدرات الدفاع الجوية الإيرانية والأنظمة الصاروخية الدفاعية، وأن إيران بصدد إبرام صفقة مع الصين لشراء صواريخ CM-302 مضادة للسفن، وهو ما نفته الصين التي تلتزم بالسرية التامة فيما يتعلق بصفقاتها العسكرية.
كما قدمت الصين لإيران دعماً استخبارياً وتقنياً متقدماً، حيث زوّدت إيران بأنظمة مراقبة وتتبّع ورادارات صينية متطورة. كما منحت القوات الإيرانية وصولاً كاملاً إلى نظام الملاحة “بايدو” كبديل عن نظام التتبع GPS لضمان التوجيه الدقيق للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية بعيداً من التشويش الغربي. وتوفر الأقمار الاصطناعية الصينية “بايدو” بيانات دقيقة للجانب الإيراني حول تحركات القطع البحرية الأميركية في الخليج، ما يعزز قدرة طهران على الدفاع النشط.
وبطبيعة الحال سيكون ملفّا إيران وفنزويلا من ضمن الملفات التي سيناقشها ترامب مع الرئيس الصيني أثناء زيارته المرتقبة للصين أواخر الشهر الجاري، والتي يعتبرها ترامب أوراق ضغط بيده تجاه بكين.
من المعروف عن الصين أنها براغماتية ولا تتخذ قراراتها بانفعال وسرعة، بل تدرس الخسائر التي يمكن أن تلحق بها من جراء حدث معين.
إن دخول الصين عسكرياً إلى جانب إيران لمواجهة العدوان الأميركي الإسرائيلي، من شأنه أن يلحق أضراراً بإيران والمنطقة ككل، لأنه سيتحول إلى صراع بين القوى العظمى ويوتر علاقة الصين بدول الخليج وأميركا و”إسرائيل”، لذلك من المستبعد أن تتدخل الصين عسكرياً، ومن المحتمل أن تضغط على أميركا وإيران لوقف العمليات العسكرية.
إذا لم تتحرك الصين لتخفيف التوترات في منطقة الشرق الأوسط، ووضع حد لتحركات الولايات المتحدة الأميركية لتقييد نفوذها، فسيعمل ترامب على مواجهة الصين في مكان آخر بعد إيران.



